صدر لي أمس 18/2/2017 مقالي ” معنى الحياة والموت”


معنى الحياة والموت 

صدر لي الآن 4/2/2017 مقالي “وحدة الجنس البشري”


وحدة الجنس البشري 

http://elsada.net/30468/

صدر لي الآن 28/1/2017 مقالي “التحرّي عن الحقيقة”


التحرّي عن الحقيقة

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=546303

رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد-2/3


رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد-2/3

الصلح الأصغر
ينظر البهائيون الى العالم على أنه قد تطور ببطء وبالتدريج في مراحل متعددة من الوحدة الاجتماعية بِدءاً بتوحيد العائلة، إلى القبيلة، وثم المدينة – الدولة city – state، وصولا إلى الدولة. وعلى خط مواز يعتبرون أن العالم يمر بطريقة مماثلة في مراحل متعددة من التنمية الاجتماعية، شبيهة بالمراحل التي يمر بها الفرد أثناء تطوره من الحضانة إلى الطفولة وثم المراهقة وهكذا الى مرحلة البلوغ. ويعتبر البهائيون أن الإنسانية قد مرت في مرحلتي الحضانة والطفولة وهي تصل إلى نهاية مرحلة المراهقة من بلوغ الجنس البشري مع الإقرار الشامل بوحدة العالم الانساني، وتأسيس وحدة الكرة الأرضية، وإقامة الصلح الأصغر، وهي تمثل آخر وأعلى مرحلة من تطور الحياة الانسانية بأجمعها على هذا الكوكب، وهو أبعد حدود النظام الذي يستطيع المجتمع الإنساني أن يصل إليه.8 كما مرت الأنسانية في مراحل سابقة من تطورها، كذلك سيتدرج الصلح الأصغر بحد ذاته عبر مراحل، تتحقق في كل منها درجات أعلى وأعظم من الاتحاد والعدالة الاجتماعية. في المراحل الأولى، “ستصرف الحكومات من تلقاء نفسها” ولكن فيما بعد سيبدأ الدين البهائي بالتأثير على عملياتها.9 وكما تُمثل مرحلة المراهقة أكثر المراحل اضطرابا في تطور الفرد، كذلك تواجه الانسانية بأكملها في هذه المرحلة اضطرابات مماثلة نتيجة الحروب، والأزمات على أنواعها، ومحاولات عديمة الجدوى للتفاعل بشكل إيجابي مع التغيير والتحديث. ولأن الناس لم يمتلكوا بعد القدرات، والاستراتيجيات، والآليات الضرورية للتعامل مع مثل هذه التغييرات الجذرية والبالغة الخطورة، قد لجأوا إلى ردود فعل فورية غير ناضجة مثل العنف والإرهاب من ناحية، والمزيد من الضوابط الحكومية من جهة أخرى. وباعتقاد البهائيين أن عملية نضوج الإنسانية تتطلب تغييرا عضويا شاملا في كل مؤسسة اجتماعية وفي هيكلية المجتمع بحد ذاته10 وعلاوة على ذلك، تتطلب ابتكار آلية قادرة على إدارة عالم موحد بطريقة فعالة. إن التقاعس عن النضوج، وعن خلق مثل هذه الآلية، يشكل خطرا على بقاء الإنسانية، كما أن تصرف المراهق بغباء وتهور قد يعرض مستقبله وحتى حياته إلى الخطر إذا لم يصبح أكثر حكمة، هدوءاً ونضوجا.
وصف حضرة شوقي أفندي سنة 1931 ما هو المطلوب للسير قدما نحو الرؤية البهائية لمجتمع عالمي ناضج، يعمل بسلاسة، متحد، مزدهر، يتميز بالعدالة، ومسالم. وقد وضع حضرته الخطوط العريضة للعناصر الأساسية الكامنة في أولى مراحل تأسيسه، مدركاً تمام الإدراك المجهود الجبار المطلوب، ومن دون التقليل أو التغاضي عن الحواجز الواجب تخطيها.
إن أساس هذه العملية بكاملها هو الاعتراف بوحدة الإنسانية بجميع فئاتها.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI, 1980.P.122) هذا المفهوم بحد ذاته يشكل حاجزا للكثيرين من المستحيل تخطيه. يرّد النفاد بحدة أن الناس فعلا لا ينظرون بعضهم إلى بعض بهذا التوجه، وأن هناك ثمة نفورا بالغريزة بين الأجناس والثقافات، وسيبقى هكذا دائما. يقول البهائيون أن الاعتراف بوحدة العالم الانساني يحصل فعليا الآن. لقد أدى تطور وسائل المواصلات والاتصالات السريعة خلال السنوات المئة الأخيرة إلى إحداث تغييرات في المجتمعات حول العالم، وحولتهم من مجتمعات غالبا ما افتقرت إلى التنوع، إلى مدن وبلدان متعددة الثقافات، الأعراق والأديان الأمر الذي أصبح من ميزات جميع البلدان. رغم أن المشاكل ما زالت متأصلة في حالات كثيرة، حيث تتمسك بعض المجموعات بذهنية انطوائية منغلقة، إلا أنه مع مرور الزمن، ومع استمرار اختلاط التلامذة في المدارس، وعمل الناس معا، وتزاوجهم عبر الخطوط العرقية والإثنية، تتزايد باستمرار صعوبة المحافظة على الحواجز التي ميزت مرحلة سابقة من مراحل تطور الإنسانية. يقدم البهائيون أنفسهم من بين آخرين، كنموذج يُظهر كيف يمكن لأناس من خلفيات وأجناس دينية، قومية، لغوية، ثقافية، وأعمار مختلفة بمن فيهم الرجال والنساء أن يحترم كل منهم تراثه وفي الوقت نفسه يعترفون بإنسانيتهم المشتركة. إن مفهوم “الوحدة في التنوع” يجسد، للبهائيين، “تنوع الخلفية الإثنية، المناخ، التاريخ، اللغة والتقاليد، التفكير، والعادات التي تُميّز شعوب ودول العالم” والتي لا تُهمَل ولا تُقمَع نتيجة الإنتماء إلى ولاء أوسع يشمل الإنسانية بكاملها.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI, 1991.P.42 (معرب بتصرف)))

إن انجاز هذه المرحلة الحيوية والصعبة سوف يؤدي الى اعادة هيكلة نَواحٍ عديدة من الحياة الانسانية، وتطوير الآلية الدولية الضرورية لتنظيم وصيانة مجتمع عالمي. يرى البهائيون أنه في المستقبل سيتطور “نوعا من الدولة العالمية” world super-state(شوقي أفندي،, IBID.P 40(معرب بتصرف)) بقيادة حكومة عالمية، و “اتحاد فدرالي”( عبدالبهاء، ABDU’L-BAHA, 1982,P.167 (معرب بتصرف)). ولكن لن يكون هذا تطوراً عشوائيا، وإنما هو تطور طبيعي لمجتمع إنساني قطع مراحل من النمو الاجتماعي بدءا من العائلة وصولا الى الدولة، ويتابع طريقه الآن نحو مجتمع على نطاق عالمي شامل.
يجفل النقاد من مجرد فكرة الحكومة العالمية، ويستشهدون بمحاولات هتلر وستالين لفرض حكومة غير إنسانية على شعوب بكاملها، ويشيرون إلى القصص الخيالية الكثيرة التي تصور حكومة عالمية على انها حكومة مستبدة مع ما يرافقها من قيود على الحريات. ومع ذلك، يرى البهائيون أن حكومة عالمية هي نتيجة حتمية ومرحب بها لتحركات وعمليات تحصل حاليا في العالم، وهي حكومة ستنمي الوعي تجاه الوحدة والاتحاد مما سيدعم مشاعر التعاون على النطاق الدولي، ويمكن السلام الشامل من أن يتحقق مع تجنب أخطار المركزية السياسية المفرطة. وسيكون لهذه الحكومة دستور فدرالي يشتمل على عدة عناصر ديمقراطية، وعلاوة على ذلك، ستتشكل بإرادة سياسية- أي بقرار من حكومات الدول – وستتأسس بموجب معاهدة. لن تأتي هذه الحكومة نتيجة لعمل عسكري، أو اقتصادي، أو بالإكراه. إن البهائيين هم على يقين بأن حكومة كهذه لن تفرضها دولة واحدة قوية على جميع الآخرين، ويلفتون النظر إلى أن المحاولات كافة لفرض مثل هذه السيطرة قد أثبتت أنها مستحيلة المنال لأنها تفتقد إلى موافقة الإنسانية جمعاء من ناحية، والمتطلبات الروحانية للاتحاد من ناحية أخرى. أفضل وسيلة لمنع مساعي الإرهابين والأشخاص ذوي الميول الهتلرية للسيطرة على العالم ودحرهم، تعاون حكومات راغبة في ذلك معا وبروح من الأمن الجماعي.
وإضافة الى ذلك، يجب أن تؤدي ميزات الحكومة العالمية التي يتصورها البهائيون إلى تبديد المخاوف الطبيعية التي يولدها مثل هذا النظام غير المعروف. لذلك، وعلى سبيل المثال، تبقى الدول في هذا النظام ذات سيادة، إلا أنه يجب التضحية ببعض عناصر السيادة، بما فيه تنازل الدول عن القيام على المسرح العالمي بعمل عدواني، ظالم، غير مسؤول، أحادي الجانب، مستقل عن أي أطراف أخرى، كي تتمكن الحكومة العالمية من أن تعمل بفعالية.
إن قيمة مثل هذه الحكومة العالمية واضحة من المنظور البهائي، فهي ستضمن الاستقرار السياسي والسلام في العالم، مما يُمكّنها من التركيز على استئصال الفقر، والتنمية المستدامة وحماية البيئة، والتغلب على الكوارث الطبيعية، وترويج مواقف وسلوكيات على نطاق الفرد والمجتمعات تؤدي الى نبذ الإجرام والتصرفات المضرة بالمجتمع مثل سوء استعمال المخدرات والاتجار بالرق. ويعتقد البهائيون أن الأدوات الضرورية لابتكار الآليات التي ستحق السلام يمكن تحويلها ايضا إلى علوم وفنون تفيد الانسانية. حالما يتحق الاتحاد والسلام بشكل مستقر، وتتشكل حكومة فاعلة، سيتغير الاقتصاد العالمي، كما تشير الكتابات البهائية، الى درجة تتقلص فيها الهوة بين الأغنياء والفقراء على نطاق الأفراد والدول، وسيتحول مدخول الضرائب الذي يصرف حاليا على الدفاع و آلة الحرب، إلى التنمية مما يزيد في ازدهار الإنسانية بوجه عام.
يرى البهائيون أن الخطوة الأولى باتجاه إقامة حكومة عالمية هي الدعوة الى عقد قمة عالمية لبحث السلام العالمي. يتوقع البهائيون أن قادة الدول أنفسهم سيوجهون الدعوة لمثل هذه القمة ويشاركون فيها، ويوقعون على المعاهدة الضرورية لخلق الحكومة العالمية، رغم أنه ليس ضروريا، من المنظور البهائي، أن توافق جميع دول العالم على تشكيل حكومة عالمية: يكفي فقط أن يوافق ” عدد منهم ” على ذلك(عبدالبهاء، ABDU’L-BAHA,1990,P.64 (معرب بتصرف). من الممكن أن تُدعى مثل هذه القمة ، في البداية، لهدف إصلاح الأمم المتحدة، أو لبحث تطور آخر في مجال المؤسسات على النطاق العالمي. وفي أية حال، فإن حضرة عبدالبهاء، مع نهاية القرن التاسع عشر، وضع بنوداً لجدول أعمال القمة منها: خلق “إتحاد الدول”، تخفيض مستوى السلاح لدى الدول، ترسيم الحدود، إقرار طريقة تفعيل الأمن الجماعي، ووضع مبادئ القانون الدولي الذي يرسم الإطار السليم لعلاقات الدول بعضها مع بعض.( عبدالبهاء (IBID.PP.64-5)
وسيصادق على المعاهدة الناتجة عن هذه القمة، بموجب ما يراه حضرة عبدالبهاء، “الجنس البشري بكامله”( عبدالبهاء، IBID.P.64(معرب بتصرف)
ربما بواسطة استفتاءات دولية او بأسلوب انتخابي آخر. من هنا يعتقد البهائيون أن الحكومة العالمية ستتكون من القاعدة إلى القمة، لا من القمة الى القاعدة، وستخلق، ولن تفرض فرضا، وستعطيها حكومات الدول صلاحيات، أي انها لن تنتزعها منهم. وعلاوة على ذلك، ستمنحها الدول التي تؤسسها سلطات محدودة تتزايد مع الزمن. ولكن، وكما هي طبيعة جميع المنظمات الفدرالية، سيطبق مبدأ توزيع واحترام الصلاحيات بين الأعلى والأدنى THE PRINCIPLE OF SUBSIDIARITY وبكلام آخر، على السلطة العليا أن تقوم فقط بتلك الأعمال التي لا تستطيع أن تقوم بها السلطات على المستوى الأدنى بطريقة فعالة.
من الخطوات المهمة باتجاه خلق مثل هذه الحكومة العالمية المفيدة، بموجب ما قاله حضرة شوقي أفندي، “حتمية التقليص من السلطة غير المحدودة للدولة”.( شوقي أفندي، SHOGHI EFFENDI.1991,P.40 (معرب بتصرف)
المفتاح هنا هو قيام الدول بهذا العمل (بكل طيبة خاطر) لأن فرض مثل هذه الخطوة بالقوة لن يؤدي الى تأسيس الحكومة العالمية التي يرتئيها البهائيون. إن رغبة الدول في اتخاذ مثل هذه الخطوة ستستمد قوتها من ناحية، نتيجة إدراكها لمصالحها الذاتية – وهي الرؤية الواضحة أن سلامة وبقاء الدولة يعتمد على تعاونها في تأسيس حكومة عالمية- ومن ناحية اخرى، الدفع الحاصل من تشرّب حكومات الدول المتعاونة في هذا المضمار شيئا على الاقل من القيم الأخلاقية والمواقف والممارسات التي اشار اليها حضرة بهاءالله على انها من متطلبات إدارة شؤون الدولة بنضج سياسي STATESMANSHIP.
أما بالنسبة لمعالم السلطة التي يجب أن تقلّص فهي:
•أنواع الادعاءات كافة لإعلان الحرب،
•”بعض حقوق الدولة لفرض الضرائب”
و”حقوق تكديس السلاح كافة، ما عدا الضروري منها للمحافظة على النظام الداخلي ضمن حدود سيادة الدول”( شوقي أفندي (معرب IBID.P.40)).
قد يكون موضوع الحد من السلاح هو أكثر الحقوق البديهية التي يجب على حكومات الدول أن تضعها تحت سيطرة حكومة عالمية. ان فوائد عالم خال من الحروب واضح. وما زالت بعض البلدان تحاول منذ عقود ان تحّد من حقوق دول أخرى لإقامة الحرب، وقد فرضت ضوابط تحد من امكانياتها على إعلان الحرب بطريقة شرعيته. يشير البهائيون إلى أن عدم نجاح هذه المحاولات بالشكل المرتجى، هو تحديدا السبب الذي يتطلب تفعيل إجراءات أكثر صلابة. فكل من حضرة بهاءالله وحضرة عبدالبهاء كلاهما، استنكر ثقل الضرائب المرهق الذي يفرضه حكام غير معتدلين ومتعطشون للحرب على شعوبهم، لذا ليس مستغربا أن نجد عناصر السيادة الوطنية هذه مقلصة. قد يكون لتحديد تكديس الأسلحة وتقليص امكانية نشوء الحروب فائدة إضافية في تخفيض الضرائب. وفي الوقت نفسه، لا شك في أن الحكومة العالمية سوف تكون بحاجة لموارد مالية، ومن المحتمل أن تفرض ضرائب لهذه الغاية.
مع أن هذا قد يبدو إنجازا بعيد المنال، لا بد من الإشارة، على سبيل المثال، إلى أن عناصر السلطة التي ذكرت أعلاه هي نفسها التي تنازلت عنها كل ولاية من الولايات المتحدة الأمريكية على حدة لمصلحة حكومتها الفدرالية. وفي مقابل هذا التقييد لسلطتها، تحصل الولايات الأمريكية على حماية الحكومة الفدرالية من أي غزو أو حرب تشنها ولايات أخرى أو دول أجنبية عليها، وهي تعفى من الحاجة لتكديس كميات كبيرة من الأسلحة ولتدريب أعداد كبيرة من الجنود. وتتحرر ايضا من الحاجة لاصدار عملات خاصة بها، والتفاوض مع حومات أخرى حول استيراد وتصدير منتجاتها. ينتقل الامريكيون بكامل الحرية عبر حدود الولايات، ويستطيعون العمل في الولايات المتحدة أينما كانت الوظيفة، ويسكنون في أية ولاية تناسبهم، مستفيدين من الفرص والتسهيلات التي تقدمها تلك الولاية. يتصور البهائيون وضعية مماثلة كهذه في عالم فدرالي.

 

صدر لي الآن 24/1/2017 مقالي”المقال الخامس من سلسلة “مقالات تبيان وبرهان


المقال الخامس من سلسلة مقالات تبيان وبرهان

http://thedayunique.blogspot.com.eg/2017/01/blog-post_24.html

صدر لي الآن 24/1/2017 مقالي “المساواة بين المرأة والرجل”


المساواة بين المرأة والرجل

http://elsada.net/29018/

صدر لي أمس 4/1/2017 مقالي (على طريق السلام ووحدة العالم)


على طريق السلام ووحدة العالم 

http://elsada.net/26743/

رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد -1/3


رؤية الدّين البهائي لعالم مُتّحد -1/3

“خُلق الجميع ليسيروا قُدماً بحضارة دائمة الترقي”. (بهاءالله، –BAHA’U’LLAH, 1983,P.215 ( معرب بتصرف))
يؤمن البهائيّون أن نوع الحضارة التي قصدها حضرة بهاءالله ليست تلك الحضارة المادية الموجهة بالملذات، الظالمة، المثقلة بالفقر، القاسية، الممزقة بالحروب، المفرطة في اتجاهاتها والتي نعيشها اليوم. مما لا شك فيه أن في حضارتنا عناصر كثيرة تتسم بالجمال، والثقافة الرفيعة، والفائدة والنبل، والجديرة بأن تنقل قُدماً. والحق يقال أن الحياة اليوم، وفي مجالات متعددة، ولأعداد كبيرة من البشر، باتت أفضل بكثير مما كانت عليه في السابق. ولكن الواقع هو أن الهوّة بين الأغنياء والفقراء تتسع باضطراد، وأن الكثيرين يعانون في المسار نحو العولمة، وبينما يبدو أن الانسانيّة قد خفّضت من إمكانية نشوب حرب نووية شاملة، إلا أن العالم يواجه ما يبدو وكأنه مصير مروّع أكثر – إرهاب لا اسم له، ولا تعريف له، جَسُور يُحَوَل الصغار إلى مرتكبي جرائم قتل، ويمجد الانتحار طالما أنه يقتل ويشوه آخرين. إلا “أن الخطر الأكبر للأزمة الأخلاقيّة والمظالم المرتبطة بالعولمة” هو وجود “منظومة فكرية (أو أيديولوجية) مسيطرة على الكرة الأرضية بدون منازع تحت عنوان “الحضارة الغربية”. ورغم أن لهذا النظام فوائد مثل “..الحرية الفردية والإزدهار الإجتماعي والتقدم العلمي”. تنعم بها شريحة صغيرة من الإنسانية، إلا أنه “مفلس أخلاقياً وفكريا” و “عاجز عن تلبية حاجات” عالم اليوم. (
CENTURY OF LIGHT. P 135(معرب بتصرف))
من هذا المنظار تبدو الإنسانية وكأنها فقدت نظرتها إلى الجانب المُمدِّن من المدنية، وهو البعد الروحاني للحياة الذي يضفي كرامة على الإنسان ويمنح سعادة حقيقية.
طرح الدين البهائي رؤية مستقبلية لرابطة شعوب عالميّة تسعى نحوها البشرية، والتي سوف تتحقق لا محالة بنتيجة تطبيق التعاليم والأحكام التي جاء بها حضرة بهاء الله. في عالم كهذا، سوف يتأسس السلام بشكل دائم، وسيشمل الازدهار الجميع وتعّم العدالة وستزدهر ايضاً الفنون وتتفتح حضارة عالمية جديدة. ورغم المظاهر، يؤمن البهائيّون أن الانسانية تنطلق حالياً في مسار يؤدي إلى اتحاد سياسي، اجتماعي، وروحاني، كان منذ القدم في صلب رؤية تعاليم الأديان كلها، والذي اقتصر وصفه حتى الآن على مؤسسي الأديان العالمية، والشعراء، وأصحاب الرؤى. ويعتبر البهائيون أن تطور مجتمع عالمي ناضج كهذا، ليس مرغوباً فيه فقط، بل سيتحقق حتماً، وليس ممكناً فقط، إنما إنجازه مؤكد.
غالبا ما تنتقد مثلُ هذه الادعاءات المثيرة للاهتمام، وتُسَفّه، ويَصرُف غير البهائيين النظر عنها بحجة أنها مثالية (
utopaian) ومتفائلة الى أقصى الحدود، بل وحتى خطيرة. ويتساءلون وهم يشيرون إلى الحروب والكراهية والانقسام في العالم، كيف يمكن للبهائيين أن يوفقوا بين هذه الحقائق وبين ادعاءاتهم؟
يشير البهائيون إلى الطبيعة التطوّرية لتقدم العالم الإنساني، وإلى التطورات السياسية والاجتماعية في القرن الماضي، وإلى طبيعة التغيرات المرتقبة، تغييرات هي اجتماعيّة وروحانيّة في آن، وتحدث على نطاق المجتمع الشامل وعلى نطاق الفرد أيضاً. وكما هي الحال على جميع مستويات العلاقات الانسانية الممتدة من الأسرة إلى الدولة، يرى البهائيون أن القيم الأخلاقية والمواقف والسلوكيات والممارسات التي جاء بها حضرة بهاءالله تتأسس تدريجياً على نطاق الكرة الأرضية بكاملها.

الخلفية الاجتماعية الاقتصادية والسياسية
إن رؤية الدين البهائي للمستقبل قائمة على الخلفيّة السياسية والاقتصادية والعلمية والتطور الاجتماعي الذي بدأ منذ نهاية القرن التاسع عشر واستمر في القرن العشرين. نشأ الدين البهائي في زمن تغييرات اجتماعية هائلة، وتوسّع أوروبا والإمبريالية، وتحول بلدان الشمال الى النهضة الصناعية. وتزامنت السنوات المئة الاولى من وجوده مع مجاعة البطاطا في أوروبا، وهجرة الملايين من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، وانقلابات في أوروبا، وتقلص سلطة البابا الدنيوية، والانفجار السكاني، واستكشاف غالبية مناطق العالم بما فيها القطبان، والاندفاع إلى أفريقيا، وسقوط نظام التحالفات في أوروبا، واندلاع حربين عالميتين، وانقلاب في وسائل الاتصالات والمواصلات، ونهوض حركات سياسية لدى كل من اليمين واليسار، وامتداد الامتيازات على أنواعها، خصوصا لتشمل النساء، ونشوء “المجتمع المدني” وانتشار نظريات علمية أساسية مثل نظرية التطور، و”الانفجار الكبير”
the big bank theory والنظرية النسبية، وتقدم هائل في مجال العلوم والطب (بما فيه اكتشاف البنسلين)، والتغيير في أنماط العمل واتساع نشاطات الترفيه، ودخول الفنون في حقل الاعلام، والكساد الاقتصادي الكبير the Great Depression والبطالة الجماعية، واكتساب العمال قدرات سياسية، وخلق مؤسسات دولية مثل عصبة الامم ومحكمة التحكيم الدولية. وبعد ذلك، تزامنت بداية القرن البهائي الجديد سنة 1945، مع تطور واستعمال الاسلحة الذرية، وبداية الحرب الباردة، وتأسيس الأمم المتحدة. في هذه الفترة تحول التركيز السياسي من أوروبا إلى أمريكا الشمالية، وتغيرت خامة المجتمع بكاملها، واستبدل الدين بثالوث مؤلف من نظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية وعلمية. وأما التغير الذي حصل خلال الحرب الباردة وبعدها فكان ايضاً مثيراً، حيث حاول الدين أن يسترد المساحة التي خسرها وذلك بإطلالة أصولية، وأصبح الرعب من الإرهاب أكثر من ذي قبل.
يرى البهائيون أن التاريخ السياسي للمجتمع العالمي هو محاولته المتدرّجة لتطوير أشكال من الحكم تتزايد شموليته باطراد- ابتداء من الأسرة، وهي الأساس المكون للمجتمع، مرورا في مرحلة تكوين القبائل والعشائر، وثم الدولة والولاية، وصولا الى محاولات لجميع الولايات في وحدات اقتصادية أو شبه سياسية. المرحلة النهائية، بالنسبة لما ورد في الكتابات البهائية، هي الوصول إلى مجتمع واحد على نطاق الكرة الارضية تحت ادارة حكومة عالمية. يعتقد البهائيون أن هذه خطوة حتمية في التطور الاجتماعي لهذا الكوكب، وينظرون الى تاريخ العالم السياسي خلال العصر الماضي على أنه محاولات ناجحة باطراد لتأسيس مثل هذا النظام. لذلك، وباختصار، وبعرض مبسّط، انهارنظام تحالفات القرن التاسع عشر وأدّى الى قيام الحرب العالميّة الأولى. وبنهايتها، برزت محاولات أولية لتنظيم الشؤون السياسية الدولية بواسطة عصبة الأمم. هذه المحاولة الضعيفة انهارت ولم تتمكن من منع قيام الحرب العالمية الثانية. بنتيجة هذه الحرب قامت محاولة أكثر جدية لتأسيس نوع من المراقب السياسي على العالم وذلك بشكل الأمم المتحدة، منظمة لديها “أسنان” أكثر من عصبة الأمم والتي يمكن أن ينتمي إليها المزيد من الدول. لم تستطع الأمم المتحدة حتى الآن أن تلبي بشكل كامل احتياجات المجتمع الدولي في كفاحه للتوصل الى تعامل ايجابي مع الطبيعة الشمولية لما يهمه ويقلقه، وقد تفشل هذه المحاولة ايضاً، رغم أن البهائيين يدعمون مساعيها لحفظ السلام والتنمية بقوة هذه النظرية الى مسار وتطور تاريخ السياسة الدولية تعطي البهائيين سبباً محفزاً للايمان بأن تأسيس حكومةعالمية أمر محتوم.
من منظور آخر، يُمكن فهم القرن العشرين على أنه العصر الذي طرح فيه الدين جانباً باعتبار انه غير كفؤ، وجُرّبت ايديولوجيات متعددة – أيديولجيات ادعت انها “علمية، لان العلم ، كما روّجت، اصبح كفيلا للتوصل الى الحقيقة بدلا من الدين، وادعى أنه بامكانه حل المشاكل التي تواجه الانسانية، وأن يعطى الانسانية فكرة حقيقية من نفسها، ورؤيا عما يجب أن تسعى بشموليتها الى تحقيقه. تمحورت هذه الايديولوجيات حول ثلاثة آلهة مضللة كما عرّفها حضرة شوقي أفندي: القومية، والعنصرية، والشيوعية. (شوقي أفندي،(
SHOGHI EFFENDI, 1980,P113))
وبالتالي، ارتبط القسم الأكبر من تاريخ القرن العشرين بنهوض وسقوط هذه الايديولوجيات والتي ينظر اليها كمصدر كبير لمآسي الانسانية. في الغرب مثلاً، تسببت القومية في نشوء الحرب العالمية الأولى التي دمرت القارة الأوروبية وأسقطت الدول الأوروبية من مركزها المتفوق بين دول العالم وآلت نظرية ألمانيا النازية للعنصرية الى إبادة ملايين الناس وهجرت ملايين آخرين، وتسببت في نشوب الحرب العالمية الثانية، مما أدى الى دمار اكبر من الحرب العالمية الاولى، في اوروبا وآسيا بعد دخول اليابان الحرب في المحيط الهادي، شاهدت نهاية القرن العشرين سقوط الشيوعية، ايدولوجية مادية بالكامل، اعتبرت أن الدولة أهم من شعبها، وخلّفت اقتصاداً مدمراً وبيئة ملوثة على مساحات شاسعة من أوروبا وآسيا.
هذا التاريخ، من المنظارين (المذكورين أعلاه) تسبب في نوع من فقدان الثقة تجاه الرؤى العظيمة التي تدّعي الاحاطة بمشاكل و ظروف الانسانية بكاملها. لذلك، يكتفي عالم اليوم بمحاولة حل مشاكله بأسلوب متقطع، معالجا كل مشكلة على حدة بدون وجود أية رؤية شاملة أو سعي لتوجيه هذه المحاولات توجيهاً شمولياً مثمراً. ولا عجب في أن يؤدي هذا المنحى إلى وضع حلول يبدو أنها تعالج مشاكل في مجال معين ولكنها في نفس الوقت تخلق مشاكل في مجالات أخرى.
يدرك البهائيون أن البشر هم من نوع المخلوقات الاجتماعية ولكنهم بحاجة الى بعض الأسس ليشكلوا مجتمعات فاعلة. فهم بحاجة الى قاعدة وهيكيلية مشتركة ليتفاعلوا بموجبها بعضهم مع بعض، وإلى رؤية واضحة لما يسعون لإنجازه، ومعرفة الاتجاه الذي يسير فيه مجتمعهم. سعى الدين، قبل القرن العشرين، لتلبية هذه الحاجات. وأما خلال القرن العشرين، فقد حاولت بعض الأيديولوجيات تلبيتها ولكنها فشلت. والآن يوجد فراغ في وسط غالبية المجتمعات. فلا توجد قواعد مشتركة متفق عليها، ولا هيكلية للتفاعل الاجتماعي، ولا رؤية لما يحاول المجتمع انجازه سوى بعض الاهداف السياسية القصيرة الأمد.
يبدو ان هناك في الوقت الحاضر خيارين يلحّان ويتباريان على تقبلهما كأيدلوجيات المستقبل. الأول هو الأصولية الدينية المتطرفة، والثاني هو سوق رأس المال الحر والديمقراطية الغربية.
تعلن الأصولية الدينية أنه، بعد فشل النظريات الحديثة التي صنعها الإنسان، فإن الحل هو العودة الى الزمن الذي كان فيه الدين التقليدي محور أيديولوجية المجتمع. وتؤكد (هذه الأصولية) أن القسم الأكبر من عيوب المجتمع الحديث – الفساد، فقدان العفة والتقديس وممارسة الجنس خارج حدود الدين، والجريمة، والمخدرات، الى ما هنالك – ستزول عند تطبيق قواعد الدين بصرامة أكثر. وليست هذه حركة مقتصرة على العالم الاسلامي فحسب، بل لقد صاغت أيضا التفكير السياسي، وربطت نفسها بأحزاب سياسية في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، ومناطق في أمريكا اللاتينية، إسرائيل، الهند، وسريلانكا.
ولكن ليس بالامكان اعادة عقارب الساعة الى الوراء وخلق وضع اجتماعي ساد منذ 200 سنة عندما لم يكن الدين أيديولوجية المجتمع فحسب، بل لم يكن بالإمكان تصور أية أيديولوجيّة أخرى غيره. في ذاك الزمن، كانت الصورة التي كوّنها الدين عن الحقيقة هي الحقيقة الوحيدة للجميع. ولكن ما أن شاهد الناس أنه توجد خيارات أخرى للحقيقة، وأن تلك الخيارات تقدم تحسينات تقنيّة باتوا يعتمدون عليها في حياتهم اليومية، اصبح من المستحيل إعادة خلق وضع لا توجد فيه خيارات حقيقية. وعلاوة على ذلك، لا تعالج الأصولية الدينية السبب الذي أدى بداية الى رفض الدين: وهو حقيقة أنه لم يعد مواكباً لمشاكل الزمن ولا لتوجهات العالم الحديث. يضاف الى هذا أنه لا توجد أية دلائل على نجاح هذا التوجه. إن المجتمعات التي تبنّت الأصوليّة الدينية كهيكل لنظامها الاجتماعي والسياسي لا تعرف بحسن تطبيقها لحقوق الإنسان، او بتقدم شعوبها اجتماعياً، أو حتى في قدرتها على علاج المشاكل الاجتماعية مثل تعاطي المخدرات معالجة فعالة.
الحركة الثانية التي يظن البعض انها تصلح كأساس لمستقبل العالم هي بجوهرها نظريّة اقتصادية، هي سوق الرأسمالية الحر ومعها الديمقراطية الغربية. هناك ادّعاء أنه يمكن لهذه المعطيات أن تكون أساسا لسياسة اجتماعية، وان تقدم رؤىً عن الهدف الذي يجب أن تسير إليه مجتمعاتنا. وقد تبنت بلاد كثيرة الرأسمالية في سياستها الاقتصادية، حتى عندما لم تلحق بها الديمقراطية. ولكن، ليس بإمكان الرأسمالية أن تشكل بديلاً لأيديولوجية اجتماعية كونها تعتمد على فلسفة الفردانية
individualism التي يقوم عليها سوق الرأسمالية الحر تفرض رفع القيود الاجتماعية للسماح للقوى التي تحرك السوق أن تعمل بحرية. تعتمد هذه الفلسفة على القوة الدافعة التي يولدها طمع الأفراد وطموحهم. حتى ان البعض من اكثر المؤيدين لها أكدوا انه لا يوجد شئ اسمه مجتمع، بل هناك فقط افراد ينافسون بعضهم بعضاً. تتمتع الديمقراطية بامكانيات أكثر بكثير ما يعمل به حالياً والتي تمكنها من ان توفر إطاراً اجتماعياً (فعّالاً). ولكن من الواضح أن العديد من الأنظمة السياسية التي تدعي الديمقراطية ليست كذلك، وغالبا ما اقتصر التعبير عن الديمقراطية على إجراء الانتخابات وعلى مظاهر نظام متعدد الاحزاب. إن الانتخابات نفسها معرضة لسوء الاستعمال والتلاعب من قبل اصحاب المصالح الخاصة، وتوفر أشكالا غير مشرفة من التراشق بالتهم المهينة وتحوير الحقائق لمكاسب سياسية.
من الصعب، إن لم يكن مستحيلاً، بناء أي شكل من أشكال التماسك الاجتماعي على مثل هذه الفلسفة. بالفعل فقد شاهدت المجتمعات التي تبنّت منطق السوق الرأسمالية الحرة والديمقراطية الغربية بحماس، تفككاً في روابطها الاجتماعية مما تسبب في هيمنة الاستياء والسخط والتنافر، كما يشاهد من خلال ازدياد الإدمان على المخدرات، وارتفاع عدد الجرائم، والتصرف غير الاجتماعي، وتطور ثقافة السلاح وحروب العصابات. إن الانسان كائن اجتماعي تشده الحاجة للانتماء الى مجتمع ولكن إذاً تبنى مجتمعة أيديولوجية تؤدي إلى التفكك، عندها سيعبّر المهمشون على أطراف المجتمع عن سخطهم وخيبتهم بتخريب متعمد للممتلكات، وبالاجرام، ويشكلون مجموعات هدامة خاصة بهم كالعصابات.
وبالتالي، يبدو أن هناك رؤيتين فقط لمستقبل الانسانية: إحداها إيديولوجية مادية هادمة للمجتمع رغم أن لديها بعض الميزات الايجابية، مثل تأكيدها على أهمية حقوق الانسان والحريات، واهمية العقلانية والعلم، ورفع شأن المرأة والاخرى أيديولوجية دينية تسعى الى العودة بنا الى الماضي ولكن لديها ايضاً بعض القيم الايجابية البالغة الأهمية، مثل الاهمية المحورية للدين في المجتمع، وأهمية الاسرة وما إلى ذلك.
يعرض الدين البهائي رؤية ثالثة: إن بعض ما يقوله الدين البهائي هو أن الانسانية بحاجة لإعادة النظر في رؤيتها للاطار الذي تقوم عليه مجتمعاتها. تصور البشر خلال القرن العشرين،أن دولتهم تشكل إطارهم الاجتماعي. ولكن لم يعد هذا الأمر يشكل أساساً ملائماً لنظرة عالمية. على الجنس البشري الآن أن يؤسس نفسه على رؤية ” العالم كوطن واحد ” وأن يعتبر أن شعوبه هم مواطنو هذا العالم.
يؤمن البهائيون بأن حضرة بهاءالله قد أعطى هيكيلة لنظام اجتماعي مترابط، مسالم، مزدهر، متطور ومنصف يمكنه العمل على جميع المستويات، المحلية، المركزية، والعالمية. صفته المميزة هي أنه لا يعرض رؤية لهذا المجتمع فحسب بل وأيضا لنظم تمكن بناء هذا المجتمع واستدامته لمدة طويلة.
ستتحقق رابطة الشعوب العالمية في المستقبل عبر مرحلتين أساسيتين، وصفهما حضرة بهاءالله بـ “الصلح الأصغر” و” الصلح الأكبر”. الأولى لها علاقة بمرحلة من مراحل تطور المجتمعات البشرية التي سيتم فيها “اتحاد سياسي بين قسمي العالم، الشرقي والغربي” و “بروز حكومة عالمية. يعتقد البهائيون أن أسس الصلح الأصغر وضعت في القرن العشرين، والعالم يعمل على تطبيقها في الوقت الحاضر. ليس الصلح الاصغر مرحلة يثمر فيها نظام حضرة بهاءالله العالمي بكامل ثماره، إذ أنه محدود بحدود “اتحاد سياسي يتحقق بقرار من دول متعددة” (بيت العدل الاعظم
UNIVERSAL HOUSE OF JUSTICE, 1985A (معرب بتصرف))
ومع ذلك، سيمثل الوصول الى الصلح الأصغر “خطوة تاريخية بالغة الأهمية ” في تاريخ البشرية وسيتطلب “إعادة بناء العالم الانساني نتيجة الإقرار بوحدته وتكامله” (شوقي افندي،
SHOFGHI EFFENDI, 1980.P.122 (معرب بتصرف))
عرض حضرة بهاءالله في أيامه الصلح الأصغر على قادة العالم كبديل للصلح الأكبر وهو “صلح لا بدَّ من أن يتبع كنتيجة عملية لروحانية العالم وانصهار جميع أجناسه، عقائده، طبقاته ودوله (في وحدة متكاملة)” – وقد رفضوه: “لما نبذتم الصلح الأكبر عن ورائكم تمسكوا بهذ الصلح الأصغر لعل به تصلح أموركم والذين في ظلكم على قدر يا معشر الآمرين.” (بهاءالله، الواح الى الملوك والرؤساء..، ص61)
إن حقبة الصلح الأكبر ستختلف عن عالمنا الراهن إلى درجة يتردد البهائيون حتى في وصفها: “إن أية محاولة لتخيله (الصلح الأكبر) بكامل امكانياته، أو لتقدير منافعه المستقبلية، أو لتصور بهائه، ستكون سابقة لأوانها حتى في مرحلة متقدمة كهذه من تاريخ تطور الانسانية. كل ما يمكن أن نحاول عمله ضمن المعقول هو السعي للحصول على لمحة تبين أول خيوط شعاع يوم الفجر الموعود الذي عليه، مع نضوج الزمن، أن يطرد الغّم الذي يحيط بالإنسانية”. (-شوقي أفندي،
SHOGHI EFFENDI.1991.34-5 (معرب بتصرف)
وتابعوا معنا في الجزء الثاني مع خالص الشكر لمتابعتكم……..

صدر لي الآن 17/12/2016 مقالي “حاجة البشرية للدين الجديد”


 حاجة البشرية للدين الجديد 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=541629

الإنسانية اليوم في مرحلة المخاض


الإنسانية اليوم في مرحلة المخاض

تبحث الإنسانية في محاولة مستميتة عن حلول للمخاطر المروعة التي تواجهها اليوم، فتجرّب كل ما تجده أمامها من عقائد ومذاهب بغية إيقاف العملية الهدامة التي باتت تهدد بنحو متسارع بتدمير نسيج مجتمعها المعاصر، لكنها لم تجد حلاً حتى الآن. فالزعماء الدينيون، من ناحية أخرى، والذين يشهدون إفلاس مؤسساتهم العتيقة وعدم مواءمة المعايير القديمة للعصر الحديث، نراهم يحاولون تطبيق معايير جديدة من خلال تقديم تنازلات، لكن هذه بدورها تعمل على تقويض تلكم التعاليم الدينية التي ظلت على حالها منذ قرون. إن معايير الحقيقة الصارمة التي كانت سائدة في سابق الأزمان والمنبعثة عن التعاليم الدينية نجدها الآن، في عدة أنحاء من العالم، قد استبدلت بالرأي العام. والتنافر بين الاثنين أرغم الزعماء الدينيين على السير فوق حبل مشدود، بينما تزداد خيبة عامة الناس ونفورهم من الدين. فلا عجب أن انحاز الكثيرون في هذا القرن إلى صفوف اللاأدريين والملحدين. في حين أن بعضهم الآخر خلق طوائف ومذاهب دينية قائمة أساساً على نظريات ومفاهيم تافهة أو تهدف لإثارة الأحاسيس.
في الوقت الذي يسعى القادة الدينيون باستمرار لإيجاد مَخرج، تنضم أعداد كبيرة من الناس إلى هذه الطوائف التي تصبح زياً شائعاً لفترة ما. لكن بعدما يذوي بريقها أو ينتشر التذمر في صفوفها، أو تصبح الحركات هذه عاجزة متحللة، عندئذ يبحث الناس عن “منقذ” آخر، حركة أخرى أو مذهب آخر، وما أكثر ما يجدونه منها في أرجاء العالم. وهكذا تستمر التجربة لإيجاد السلام وطمأنينة النفس، لكن ما أقل الذين وجدوا السعادة أو الطمأنينة أو راحة البال

من ناحية أخرى، يناضل الزعماء السياسيون ورجال الدولة في العالم فردياً وجماعياً من أجل حل المشاكل التي تواجه البشرية. وهم أيضاً مثل الزعماء الدينيين يحاولون جاهدين لاكتشاف صيغة ناجعة، لكن بما أن جهودهم مبنية على أساس النفعية الذاتية والمصالح قصيرة الأجل، فإن آفاق العالم تزداد ظلمة يوماً بعد يوم. فلا الزعماء الدينيون ولا أولئك العاملون في المجالات السياسية والاجتماعية قد اهتدوا حتى الآن إلى علاج لعلل البشرية.
وهكذا يستمر الكفاح، وستجرب الإنسانية كل شيء حتى تصل إلى مرحلة من اليأس الشديد والقنوط التام.

إن العالم متقلب ويزداد تقلبه يوماً فيوماً ويتوجه بوجهه إلى الغفلة والإلحاد، وهذا الأمر سيزداد شدة بحيث لا يقتضي ذكره. ويستمر الحال على هذا النهج أياماً طويلة. وإذا تم الميقات يظهر بغتة ما يرتعد به فرائص العالم إذاً ترتفع الأعلام وتغرد العنادل على الأفنان…” 

بإمكاننا أن نرى من تاريخ الأديان في الماضي أيضاً كيف تجاهلت كل أمة دينها في يوم ظهوره. على سبيل المثال، ظلت رسالة حضرة المسيح مجهولة لعدة قرون، لكن لمّا كانت رسالة من عند الله، فقد تغلغلت أخيراً إلى قلوب الناس. فلا مناص للبشر إلاّ الإقبال واعتناق دين هذا العصر وظهوره اليوم! ولكن يبدو جلياً من الظروف العالمية السائدة الآن بأن الإنسانية لا بد أن تمر عبر الكثير من المعاناة والمحن القاسية قبل بلوغ المرحلة النهائية حينما توجّه اهتمامها لدين هذا العصر وتدخل في سرادق اتحاد الجنس البشري ووحدة الإنسانية والعمل على خلق المدنية الإلهية .