نداء لأهل العالم (1)


نداء لأهل العالم

يعتقد البهائيون اعتقادا راسخا بأن جوهرَ التعاليمِ التي أعلنها حضرة بهاءالله للعالمِ هو أن الحقائقَ الدينية أمرٌ نسبي و ليس مطلقاً والظهوراتِ الإلهية هي عمليةٌ مستمرةٌ ومتجددة. إن جميعَ الأديان الكبرى في العالم أساسُها إلهي ، وأن جميعَ مبادئِها و أصولِها متوافقةٌ بالكامل، آمالُها ومقاصدُها واحدة، تعاليمُها هي تجلياتٌ متنوعة لحقيقةٍ واحدة، و وظائفُها وأدوارُها متممةٌ بعضُها بعضاً. تختلفُ الأديانُ وتتباينُ فقط في الجوانبِ غير الجوهرية (التعاليم الفرعية) لمبادئِها، فرسالةُ كلٍ منها تُمَثَلُ مرحلةً من المراحلِ المتتابعةَ في تكاملِ المجتمعِ الإنساني.

إن هدفَ حضرة بهاء الله رسولِ هذا العصرِ الجديد والعظيم للعالمِ الإنساني  ……  ليس طمس أو تشويه الظهوراتِ السابقة بل إتمامَها وإكمالَها وتحقيق التصالحُ بين الأديانِ لا إشعال فتيلِ البغضاء جراء اختلاف المعتَقدات، التي من شأنها أن تُمزِّقَ المجتمعاتِ الحاليةَ وتوقعُها في الفوضى.

لم يكن هدفُ وغايةُ حضرة بهاء الله أن يقلِّلَ من شأنِ السلف من الأنبياءِ أو أن يحطَّ من قيمةِ تعاليمهم بل أن يُؤكدَ من جديد الحقائقَ الأصليةَ المكنونة في تلك التعاليمِ و يبينَها بحيث تتفق واحتياجات العصر الذي نعيشُ فيه وتتناسبُ مع قدراتِه وتتلاءمُ مع مشكلاتِه وما يضطرمُ فيه من بلايا واضطراباتِ.

يُقِرُّ الدينُ البهائي بوحدانيةِ الله ووحدانيةِ الرسل، ويعتقدُ بوحدةِ الجنسِ البشري وجامعيتِه وينادي ويُصرِّح بضرورةِ بحتميةِ اتحادِ العالم الإنساني ويُؤكدُ بأنه يقتربُ منه تدريجياً. يعلنُ الدينُ البهائي أن الروحَ الإلهيةَ الخلاقةَ والساريةَ في كلامِ المبعوثِ الرباني هي وحدها التي تستطيعُ أن تضمنَ اتحادَ بني البشر وتحققَه في هذا العصر. فضلا عن ذلك فإن الدينَ البهائي يكلِّفُ أتباعَه الفريضةَ الجوهرية وهي تحري الحقيقةِ بلا قيود ويدينُ جميعَ أنواعِ التعصب والخرافات ويصرِّحُ بأن غرضَ الدينِ هو تعزيزُ السلامِ والتفاهم. يعلنُ الدينُ البهائي أيضاً انسجامَه وتوافقَه الضروري مع العلمِ و يعتبرُه السببَ الأعظمَ لصلحِ العالمِ والتقدمَ المنهجي لمجتمعِ العالمِ البشري.

يدافعُ الدينُ البهائي بصورةٍ قاطعةٍ عن مبدأ المساواةِ بين الرجلِ والمرأةِ في الحقوق والواجباتِ بشكل مطلق، ويُؤكدُ وجوبَ التعليمِ الإجباري ويسعى لإزالة الفقرِ المدقعِ والثروةِ المفرطةِ، كما يلغي المؤسسةَ الكهنوتية، ويحظُرُ الرِّقَ والزهدَ والتقشفَ والتسولَ والرهبنة، والدين البهائي لا يجيزُ تعَدُّدَ الزوجات كما يذمُّ الطلاقَ ، ويؤكدُ ضرورةَ إطاعةِ الفرد التامة للحكومةِ التي ينتمي إليها، كما أنه يمجِّدُ أيَّ عملٍ يؤديه المرءُ بروحِ الخدمةِ ويرفعه إلى مرتبةِ العبــادة، وإضافة على ذلك فإنه يحضُّ على انتخابِ لسانٍ عامٍ دولي أو إبداعِه ويحدِّدُ الخطوطَ العريضةَ للمؤسساتِ التي يتوجبُ عليها أن تضمنَ تحققَ الصلحِ العام للعالمِ الإنساني واستمرارَه.

الدينُ البهائي يدورُ حولَ ثلاثِ شخصياتٍ محوريةٍ عظيمةٍ وبارزة :

أولى تلك الشخصياتِ : هي شابٌ من أهالي شيراز يُدعىٰ سيد علي محمد المعروف بحضرةِ الباب وقد أعلنَ إظهارَ أمرِه في شهر مايو عام 1844م عندما كان في الخامسةِ والعشرين من عمرِه وبأنه هو الرسولُ والمبشِّرُ بظهورِ شخصٍ جليل أعظم منه وفقاً للكتبِ المقدسة للرسالاتِ السابقة وكان ظهورُه ضروريا لتمهيدِ الطريق لظهورِ حضرة بهاء الله الذي سوف تكون رسالتُه بناءً على بشاراتِ تلك الكتبِ المقدسة هي افتتاحُ عصرِ الصلحِ والسلام والعدلِ والتقوى في العالم , عصرٌ سيتحققُ فيه إتمامُ الظهورات السابقةِ وإكمالُها ويبدأُ فيه كورٌ جديدٌ في التاريخِ الديني للعالم الإنساني. اِبتُلي حضرةُ الباب في وطنِه بالظلمِ والجورِ الشديد من قبل رؤساءِ الدين والدولةِ وانتهى بتوقيفِه ونفيه إلى جبالِ آذربايجان وحبسِه في قلعةِ ماكو وچهريق ثم استشهادِه في ميدان تبريز في التاسع من شهر يوليو عام 1850م رمياً بالرصاص ولقد قُتِلَ أكثرُ من عشرين ألفاً من أتباعِه بقساوةٍ ووحشيةٍ هيَّجتْ التعاطفَ الحارَ الممزوج بالإعجاب التام لعددٍ من كتّابِ الغرب والدبلوماسيين والسياحِ والمحققين الذين كانوا من الشهودِ العيان لتلك الانتهاكاتِ والاعتداءات البغيضةِ البشعةِ فتحركتْ مشاعرُهم ودوَّنوا تلك المشاهدَ الفظيعةَ في كتبِهم ومفكراتِهم اليومية .

الشخصية الأخرى : هي ميرزا حسين علي والملقبُ بحضرة بهاء الله وقد كان من أهالي مازنـدران و وعـدَ بظهـورِه حضـرةُ البـاب ( الرسـولُ والمبشـر بظهـورِ حضـرة بهاء الله ). اِبتُلي حضرتُه أيضاً بهجومِ قوى الجهلِ والتعصب نفسِها حيث حُبِس في طهران ثم نُفي في عام 1852م إلى بغداد ومن ثم إلى اسلامبول وأدرنه وأخيراً إلى سجن عكا حيث ظل مسجوناً لمدةٍ لا تقلُ عن أربعَ وعشرين سنة ورحلَ عن هذا العالم في إحـدى الضواحي القريبة من مدينـة عكـا عام 1892م. قـام حضـرةُ بهاء الله خلال فترة نفيه وخاصةً في أدرنه واسطنبول بتشريعِ تعاليمَ وأحكامَ ديانتِه كما قام بتبيين أصولِ دينِه في أكثرَ من مائةَ مجلدٍ وبلّغَ رسالتَه إلى ملوكِ ورؤساءِ الشرقِ والغرب من المسيحيين والمسلمين. فلقد بعثَ خطاباتٍ مهيمنةً إلى البابا وخليفةِ المسلميــن ، رؤساءِ الجمهورية في القارة الأمريكية ومراجعِ الدين المسيحي ورؤساءِ المسلمين شيعة وسنة و كذلك رؤساءِ الدين من الزردشتيين. أعلنَ حضرة بهاء الله ظهورَه في جميع تلك الكتبِ والآثارِ وقامَ بدعوةِ مخاطبيه بأن يستجيبوا لندائِه ويقوموا بترويجِ أمرِه و أنذرهم من عواقبِ غفلتِهم و أحياناً ذمّ  ظلمَهم وتكبرَّهم وغرورَهم.

قام حضرةُ بهاء الله بتعيينِ ابنِه الأكبر عباس أفندي والمعروف بعبد البهاء الوريثُ الشرعي والمبيِّنُ المنصوصُ لتعاليمِه. كان حضرةُ عبد البهاء منذ الطفولةِ شريكا لوالِدِه العظيم في نفيه ومِحَنِه ورزاياه حيث ظل سجيناً حتى عام 1908م. تحرَّرَ حضرة مولى الورى من سجنه بعد انقلابِ ” الشباب الترك” وانقراضِ العثمانيين فتركَ عكا وأنشأَ مقرَ إقامتِه في حيفا ثم بعد فترةٍ وجيزة شرعَ بالسفرِ لمدة ثلاث سنواتٍ إلى مصرَ واوروپا وأمريكا الشمالية وقام بنشرِ تعاليمِ والدِه وأبيه السماوي في تلك الأسفار أمامَ جمهورٍ كبيرٍ من النفوسِ وتنبأَ بقربِ وقوعِ كارثةٍ ومحنةٍ عظيمةٍ  سوف تصيبُ العالمَ الإنساني. رجع حضرتُه إلى موطنِه حيفا عشيةَ الحربِ العالمية الأولى، حيث كان مُعَرَّضاً لخطرٍ مستمر حتى زمن تحرير فلسطين تحت قيـادة الجنـرال اللنبي ( Allenby ) والـذي قــدَّمَ قـصــارى الاحـتـرامِ لحضــرة عبـدالبهاء وإلى العددِ القليلِ من أتباعِه في عكا وحيفا. في عام 1921م رحـلَ حضـرةُ عبد البهاء إلى الرفيقِ الأعلى ودُفِنَ بجوارِ المقامِ الأعلى أي ضريح حضرة الباب الذي شُيِّدُ على جبلِ الكرمل ويضمُ هيكلَه المطهر الذي كان قد نُقِـل سابقــاً من تبريــز إلى ارضِ المقصـود بنـاءً على تعليماتٍ صريحـةٍ من حضــرة بهاء الله وبعد أن تمَّتْ المحافظةُ عليه وإخفاؤه لمدةٍ لا تقل عن ستين عاما.

أنهتْ وفاةُ حضرة عبد البهاء العصرَ الأول للدين البهائي الموسوم بالعصر الرسولي وأعلنتْ بوضوحٍ بدايةَ عصرٍ آخر يسمى بعصرِ التكوين. عصرٌ قُدِّرَ له أن يشهدَ البزوغَ والإشراقَ التدريجي للنظمِ الإداري البهائي , نظمٌ بشَّر بتأسيسِه حضرةُ البـاب  وأنزلَ قوانينَه وقواعدَه حضرةُ بهاء الله ثم رسمَ حضرةُ عبد البهاء حدودَه وكيفيتَه في ألواح وصاياه، وتقوم الآن محافلُ الشورى المركزيةِ والمحليةِ  التي تُنتَخَب من قبل أتباعِ الأمر البهائي بوضعِ أسسِه و قواعدِه.

هذا النظمُ الإداري البهائي خلافا للمؤسساتِ الأخرى في الأديان السابقة والتي وُجِدت بعد رحيلِ رُسلِها وأصحابِها, أساسُه إلهي ويرتكزُ بقوةٍ على حدود ومبادئَ وتعاليمَ ومؤسساتٍ وضعها حضرةُ بهاء الله جليةً و واضحةً, وأنشاها بصورة دقيقةٍ في أثارِه المباركة ، هذا النظامُ يعملُ في إطار الالتزام التام بتبيينات المُبيِّنَيْن المنصوصَيْن للكتبِ المقدسة البهائية. وعلى الرغم من أن النظمَ الإداري البهائي منذ بدءِ تأسيسِه تعرض لهجومٍ شديدٍ من قِبَلِ المخالفين فقد نجحَ بفضلِ طابعِه وذاتيتِه التي لم يكن لها نظيرٌ في تاريخِ الأديانِ العالمية في المحافظةِ على وحدةِ الجامعةِ الواسعةِ الانتشار والمتنوعةِ من أتباعِه الذين هم من أصولٍ وطنيةٍ ودينيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ مختلفةٍ فمكّنتهم مجتمعين وبمنهجية من وضع خططٍ  تهدف إلى توطيدِ مؤسساتِه الإدارية, وذلك من أجل الترويج للدينِ البهائي ونشره في شرقِ العالمِ وغربِه.

  تجدر الإشارةُ إلى أن الدينَ البهائي الذي يخدمُه النظمُ البديع ويصونُه ويعزِّزُ من شأنِه هو دينٌ سماوي وعالمي في الدرجةِ الأولى وغيرُ سياسي أو حزبي ومخالفٌ تماماً لأي مرامٍ أو سياسةٍ تسعى إلى تمجيدِ عرقٍ أو طبقةٍ أو وطن. لايوجدُ في الدينِ البهائي أيَّ صيغةٍ أو شكلٍ من أشكالِ رجالِ الدين والطبقةِ الروحانية كما أنه غيرُ مقيدٍ بأي من الطبقاتِ الكهنوتيةِ أو الطقوسِ والشعائرِ التقليدية. يقومُ الدينُ البهائي بالوفاء باحتياجاتِه المادية حصرياً عن طريقِ التبرعاتِ من أتباعِه المؤمنين. وعلى الرغم من أن البهائيين مخلصون مطيعون لحكوماتِهم وقلوبهم مفعمة بعاطفةِ الحبِ لأوطانِهم ، توَّاقون لتحقيقِ مصالحِ دولتِهم إلا أنهم في الوقت نفسِه يرون العالمَ الإنساني  كجامعةٍ واحدة وينظرون بجديةٍ لمصالحِه العامةِ ولا يترددون في أن يُخضِعوا كلَّ مصلحةٍ خاصةٍ سواء كانت شخصيةً أم إقليميةً أم قوميةً لمصلحةِ العالمِ الإنساني عموماً مدركين تماماً بأنه في عالمٍ متضامنٍ ومتكاتفٍ من حيث الشعوبِ والأممِ من الأفضلِ أن يتمَّ التوصلُ إلى مصلحةِ الجزء عن طريق حفظِ مصلحةِ الكل ورعايتِها كما لا يمكنُ تحقيقُ منفعةٍ دائمةٍ وثابتة لأي جزء من الأجزاء المكونة لهيئةِ العالمِ الإنساني إذا أُهمِلَتْ المنفعةُ العامةُ برمَّتِها. (شوقي أفندي)

 

المواقع البهائية

http://www.alaqdas.org/

http://reference.bahai.org/ar

http://info.bahai.org/arabic

http://bci.org/islam-bahai/arabic/

http://www.bahai.com/arabic/

http://www.almunajat.com/

http://www.bahaullah.org/

http://www.nabaazeem.com/

http://media.bahai.org/

http://albahaiyah.global-     et.com/arabic/isr_ar.htm

 

قناة نافذة على البهائية

http://bahainafeza.wordpress.com/

 

موقع التعريف بالدين البهائي-يوتيوب

http://www.youtube.com/KolnaAhl

 

 

 

 

Advertisements

نظم عالمي جديد


نظم عالمي جديد

يشير حضرة بهاء الله في ” الكتاب الأقدس ” إلى نظم عالمي جديد و هذا يمكن اعتباره إحدى ثمرات ظهوره. و قد أشار حضرة الباب(المبشر بحضرة بهاءالله) في كتابه ” البيان الفارسي ” إلى ذلك بقوله: “طوبى لمن ينظر إلى نظم بهاء الله و يشكر ربه فإنه يظهر و لا مرد له…” و فيما يلي كلمات حضرة بهاء الله في ” الكتاب الأقدس “:
” قد اضطرب النّظم من هذا النّظم الأعظم وأختلف التّرتيب بهذا البديع الّذي ما شهدت عين الأبداع شبهه ”
كان من الصعب رؤية انقلاب حياة البشر عام 1873 حينما أنزل حضرة بهاء الله هذه الكلمات. لكن اليوم، بعد أكثر من قرن يتضح جليا بأن حياة البشر كما كانت مستقرة عليه قد تعرضت فعلا للتغيير و الاختلاف و الانقلاب. و يكتب حضرة شوقي أفندي محللا    انحطاط مقدرات البشرية:
” ودلائل الانحلال المتجمعة , وعلامات العذاب والإفلاس التي تُرى حيثما اتجه البصر قد جعلت ذوي العقول من الرجال والنساء يرتابون في كل خطوة من خطوات الحياة علي وجه التقريب ما إذا كانت الهيئة الإنسانية في نظامها الحالي تستطيع بجهودها المفككة تخليص نفسها من لجة هذه المآسي التي تغمرها بازدياد , فكل نظام افتقد توحيد البشر قد جرب وجرب ووجد ناقصاً ، واشتعلت الحروب واحدة تلو الأخرى ، وانعقدت مؤتمرات لا حصر لها ، واستنفدت الجهود في صوغ المعاهدات والضمانات وأحكام المواثيق وتنقيحها ، وجربت قواعد الحكم بكل جلد وتناولتها أيادي الإصلاح والتعديل ، ووضعت مشاريع التطوير الاقتصادي بكل عناية ونفذت بغاية الدقة ، مع ذلك والأزمة تعقبها أزمة ، بما يضاعف سرعة تدهور عالم غير مستقر ويعجل الأخطار المحدقة والهوة السحيقة الفاغرة ،الأمر الذي ينذر بحلول نكبة عامة تنزل بالعالم علي السواء لا فرق بين شعوب راضية وأخرى متذمرة ، بين ديموقراطيات وديكتاتوريات ، بين أصحاب رؤوس أموال وعمال ، بين أوروبيين وآسيويين ، بين يهود وغير يهود ، بين بيض وسود ، وكما يراه المحقق قد تخلت العناية الغاضبة عن كوكب سيار وتركته إلي مصيره المشئوم حيث ينزل به القضاء المحتوم ، فالإنسانية الدامية الضالة قد فقدت بغير شك توازنها كما تبدو أنها فقدت إيمانها ورجاءها وهي تترنّح بغير رادع ولا تبصرة على حافة القضاء الذي يوشك أن يحل بها , يخيم على حظها أطباق من الظلمات كلما اجتازت المعابر الأمامية في طريقها إلى أظلم    منطقة في حياتها المضطربة.”
إن الغمة و الظلمة التي وصفها حضرة شوقي أفندي قبل حوالي سبعين عاما قد تفاقمتا أكثر و اليوم يتحرك العالم إلى خطر و بسرعة مخيفة نحو حافة كارثة. و لكن واأسفاه فالبشرية عامة بمن في ذلك رؤساؤها و عقلاؤها و فقهاؤها و فلاسفتها لم يكتشفوا حتى الآن ما هو وراء انقلاب حياة الإنسان على هذا الكوكب. يصف حضرة بهاء الله هذا الانقلاب بهذه الكلمات:
” في هذا العصر تتموج شعوب الأرض بحياة جديدة و لكن لم يكتشف أحد علتها و لم يدرك قوتها.”
و لأجل تقييم السبب وراء فوضى هذا العصر و تفككك النظم القديم و اختلال توازن العالم ليس لنا أفضل من النظر إلى الطبيعة و التعلم من قوانينها. فإن قوانين الطبيعة و الدين متماثلة و تتصل ببعضها بشكل وثيق. إذ كل ما يحدث في الطبيعة له انعكاس و نظير في عالم الروحانيات.
لنتفحص مثلا مبدأ خلق حياة جديدة و نمو الجنين. و لنبدأ بدراسة أحوال البيضة قبل و بعد تلقيحها. فقبل خلق حياة جديدة فيها نجد البيضة في حالها الاعتيادي و هي تحتوي على غذاء طيب. لكن حالما تبدأ فيها حياة جديدة و تنمو بداخلها نجد أن تغييراً جذرياً يحدث في وضعها الداخلي. فيفسد ما بداخلها من غذاء و يتعفن. لكن مع ذلك يستمر المخلوق الجديد يعيش وسط هذا العفن و يتغذى منه. في البداية لا يظهر هذا التغيير بوضوح. لكن مع نمو الجنين الحي يتحول وضع البيضة الداخلي و يصبح أقل استقرارا. بعد ذلك يأتي وقت تفقد فيه سلامة هيكلها و أخيراً تنفلق و يفقس عنها المخلوق الصغير تاركاً البيضة بهيئة قشر متكسر.
و عين هذا هو ما يحدث اليوم للبشرية. فطيلة آلاف من السنين كان تقدم الإنسانية بطيئاً و محدوداً و لم يحدث في حياة الأمم إلا تغيير ضئيل. بل قد يرى المرء أن البشرية قبل مجيء حضرة بهاء الله قد عاشت بسلام و سكينة بالمقارنة مع ما وقع لها فيما بعد.
إلا أنه منذ أزيد من مائة وسبعين سنة حينما أعلن حضرة بهاء الله دعوته أوجد خلقاً جديداً في المجتمع الإنساني. منذ ذلك الوقت بدأت حياة جديدة لم يبق العالم بعدها على ما كان عليه. فقد انقلب و تبدل بمجيء حضرة بهاء الله، و باستمرار عملية نمو و تطور مؤسسات دينه الوليدة التي أتت إلى الوجود، كذلك تسير عملية اضمحلال النظم القديم و انقراضه. و الجامعة العالمية الجديدة مافتئت تنمو داخل رحم العالم القديم. و كلمّا تنامت و ازدادت حيوية كلما هبط المجتمع الإنساني إلى أدنى درجات الظلمة و الفساد. و سوف يتدنى حالها أكثر حتى يصل إلى حال كما تنبأ حضرة بهاء الله قبل أزيد من مائة وسبعين عام، يتحلل فيه و يتفكك شأنه شأن البيضة في المثل أعلاه. فيما يلي بعض من بيانات حضرة بهاء الله التي كتبت منذ تلك السنين الماضية يصف فيها بعبارات جلية ملابد أن تعانيه البشرية من ويلات و عذاب خلال تفكك النظم القديم:
” إن العالم متقلب و يزداد تقلبه يوماً فيوماً و يتوجه بوجهه إلى الغفلة و الإلحاد و هذا الأمر سيزداد شدة بحيث لا يقتضي ذكره. و يستمر الحال على هذا النهج لأيام طويلة. و اذا تمّ الميقات يظهر بغتةً ما يرتعد به فرائص العالم اذاً ترتفع الاعلام و تغرّد العنادل علی-——- الأفنان …”

و في وضع آخر من كتابات حضرة بهاء الله يتفضل حضرته قائلا:
“عما قريب سوف تتغير كل حكومات الأرض و يعمّ الظلم العالم و بعد الشدة العامة تشرق شمس العدل من أفق ملكوت الغيب.”

و بالكلمات التالية يصف حضرة شوقي أفندي ولادة مؤسسات أمر الله و نموها داخل رحم المجتمع الإنساني:
” وبقدر جلال العصر الذي شهد إشراق الرسالة التي جاء بها بهاء الله بقدر ما يحيط بالفترة التي تنقضي قبل أن يجني ثمار هذا النصر من ظلمات أخلاقية واجتماعية غاية في السواد كما يشاهد بازدياد .وهذه الظلمات الحالكة هي وحدها التي تهيئ إنسانية متعنتة لمكافأة قدّر لها أن ترثها ــ من بعد عذاب شديد ـ وها نحن بينما نسير نحو تلك الفترة سيراً حثيثاً ، وسط السحب التي يزداد تجمعها من حولنا نشاهد عن بعد ومضات من أنوار سلطنة بهاء الله الخاطفة تلمع في أفق التاريخ…
وبقدر ما يحيط بالعالم اليوم من ظلمات حالكة فاٍن المصائب والبلايا التي لابد يجتازها ما تزال بعد في دور التكوين بل لا يمكن تصور ظلمتها وسوادها .
إننا نقف على عتبة عهد تنادي حالته المتوترة بما يقاسيه من نضال مزدوج ما بين موت نظام قديم وولادة آخر جديد , وهذا النظام العالمي الجديد يمكن أن يقال عنه أن فكرته اتصلت بالأفئدة والقلوب وذلك بتأثير نفوذ الدين الذي أعلنه بهاء الله , ونستطيع في هذه اللحظة أن نحس بالنضال القائم بين أحشاء عصر متمخّض ، عصر يفيض منه الدمع وهو يتطلع إلى الساعة المعينة التي فيها يلفظ حمله ويؤتي أصفى ثماره . وإلي هذا يتفضل بهاء الله بقوله الأقدس :
” أن الأرض اليوم في حالة المخاض ولسوف يأتي يوم فيه تحمل أعظم الفواكه ومنها ترتفع الأشجار العالية وتخرج الأزهار المفرحة والبركات السماوية. تعالت نسمة قميص ربك السبحان , قد مرت و أحيت طوبي للعارفين “

ويتفضل عبد البهاء بقوله الأحلى :
” عندما ارتفع نداء الله نفخ حياة جديدة في جسد العالم وروحاً جديداً في سائر المخلوقات ولهذا السبب تمّوج العالم وتحركت القلوب والأفهام وعن قريب تنكشف آثار هذا التجديد ويستيقظ كل غافل “.
و لو أن المستقبل القريب محفوف بظلمة قاتمة و خطيرة لكن النتيجة النهائية – ظهور جامعة الاسم الأعظم(الجامعة البهائية) – مجيدة حقاً. إن أغلب سكان الأرض في الوقت الحاضر إما يجهلون وجود مؤسسات أمر الله الوليدة، أو لا يمكنهم تقييم الإمكانات الهائلة الكامنة في هذه المؤسسات. فهم لا يستطيعون أن يفهموا تماماً الهدف و الدور المقدر لهم أن يقوموا به، عند تمام الوقت حينما يتحملون نصيبهم الكامل في القيام بإدارة شؤون البشر.
إن سبب هذا الجهل مرجعه هو ولو أن دين حضرة بهاء الله يجري إعلانه بنحو متزايد إلى عموم البشر، لكن مؤسسات أمر الله لم تتطور بعد إلى المستوى الذي يلفت انتباه الناس. ففي الفقرة السابقة يتنبأ حضرة بهاء الله بأن علو أمره سيقع فقط في أعقاب المصائب و النكبات التي تكون البشرية قد مرت بها و عانتها. يصرح حضرته:
” و اذا تمّ الميقات يظهر بغتةً ما يرتعد به فرائص العالم اذاً ترتفع الاعلام و تغرّد العنادل علی——– الأفنان”
إن هذه النبوءة لم تتحقق بعد و بتعبير المثل آنف الذكر فإن البيضة لم تفقس بعد و تخرج كتكوت. فالنظم القديم مازال يتلوى على فراش الموت و لم تحن بعد ساعة مولد النظم الجديد.
إن موقف الجامعة البهائية اليوم يشبه موقف بستاني يدعي بإنه صاحب أجمل حديقة ملآى بالورود و الأشجار. في حين لا يجد من يدخل فيها من الزوار أو المستطلعين أي أثر من خضرة أو نبات مزهر و كل ما بإمكان البستاني عمله هو أن يشير إلى البذور التي زرعها مبيناً كيف أن حديقته لا محالة ستزهر عند تمام الوقت.
وعلى هذا القياس فإن الناس في العالم سوف ينتبهون فقط حينما يجدون أن نظم حضرة بهاء الله المتمثل في مؤسسات دينه الناشئة قد ولد و بإمكانهم ،أي شعوب العالم، أن يتحسسوا كيانها الظاهر أمامهم ثم يبدأوا استيعاب ما يكمن فيها من قدرات و إمكانات. و لكن انبثاق هذه المؤسسات ،و هي عملية تتصل اتصالاً وثيقاً بطي النظم القديم و زواله، ما هو إلا البداية و يجب ألا يختلط بالذهن مع غرة أيام حضرة بهاء الله الآتية في المستقبل البعيد عندما يتأسس نظم حضرة بهاء الله العالمي في أرجاء هذا الكوكب، و يمكن تشبيه انبثاق مؤسسات الأمر حديثة الشأن بولادة الطفل. فالطفل حديث المولد لا يستطيع لفترة استعمال أركانه و أعضائه بنحو فاعل. و يجب أن تمضي فترة طويلة قبل أن يصل مرحلة البلوغ. إن خروج الجامعة البهائية من مرحلة المجهولية و تتطور مؤسساتها يختلفان عن انبثاق نظم حضرة بهاء الله العالمي في المستقبل البعيد.
في الحقيقة إن طي النظم الحالي و ارتعاد الفرائص وفق تصريح حضرة بهاء الله سوف يمهد السبيل من ناحية لتأسيس الصلح الأصغر و من ناحية أخرى سيشهد تطور المؤسسات البهائية المركزية و المحلية و نضجها.
إن ما سيسبغه الصلح الأصغر من بركات على البشرية سيمكنها من وضع هيكل سياسي جديد يجنبها ويلات الحروب و لعنتها. إن تعاليم حضرة بهاء الله و مبادءه الاجتماعية و الإنسانية و التي صارت الآن من مكونات روح العصر مما يؤمن به الأناس المتنورون في العالم سوف تدمج بهذا الكيان السياسي. و دون وعي منها بمنشأ و مصدر هذه التعاليم الاجتماعية ستعمل الإنسانية على تبنيها بنحو متزايد في كافة مناحي حياتها. و من بين ما تتضمنه هذه المبادئ تأسيس نظام فيدرالي عالمي و اتحاد دولي عالمي – كومنولث – و هيئة تشريع عالمية و حكومة عالمية تدعمها قوة دولية و لغة عالمية و مؤسسات أخرى كما أعلن حضرة بهاء الله في تعاليمه. و ستتغلغل الطاقات التي انطلقت بظهور حضرة بهاء الله قبل أكثر من مائة وسبعون عام بدرجة آخذة بالتزايد في كيان المجتمع الإنساني بحيث لا تدع خياراً أمام البشرية سوى تبني مثل هذه التعاليم: مساواة الجنسين، التعليم الإلزامي، إزالة الفرق الشاسع فيما بين الغنى و الفقر، و ما شابه ذلك في جميع مؤسساتها. يتجلى هذا بوضوح الآن من خلال تطبيق المبادئ البهائية ضمن عدة حركات تقدمية في العالم.
إن هذا الشكل الجديد من الحكم يجب أن ينبثق عن حطام النظم السائد المتداعي ليحكم البشرية حتى يحين وقت بلوغ مؤسسات دين حضرة بهاء الله الوليدة مرحلة النضج. حينذاك سوف يتأسس النظم البهائي العالمي بكامل عظمته و تتحقق رؤيا حضرة شوقي أفندي الوغلة في أفق المستقبل البعيد.
” فيما يخص هذا الاتحاد الدولي – الكومنولث – المقدر انبثاقه إن عاجلاً أم آجلاً في أعقاب مذابح و كروب و فوضى هذا الانقلاب العالمي العظيم، و ما يخص طبيعته العامة و مضامينه و خواصه. لذا يكفي القول بأن التحقق النهائي هذا – لوحدة العالم الإنساني – سيكون بطبيعته عملية تدريجية و يجب كما توقعها جضرة بهاء الله نفسه أن تتمخض أولا عن تأسيس ذلك الصلح الأصغر الذي ستقوم أمم الأرض و هى حتى الآن غافلة عن دعوته لكنها مع ذلك ماضية تلقائياً بوضع مبادئه – أي مبادئ حضرة بهاء الله – العامة التي أتى بها موضع التنفيذ، ستقوم هذه الأمم بتأسيسه.إن هذه الخطوة التاريخية الهائلة التي ستعني إعادة بناء معنوي للبشرية سيتولد عنها في أعقاب و كنتيجة اعترافها العالمي بوحدتها و كليتها، ارتفاع و انتشار وعي الجماهير الروحاني و الذي سيعقب بدوره اعترافها بطبيعة ادعاءات دين حضرة بهاء الله و الإقرار بها – و هذه من الشروط الأساسية لذلك الالتحام النهائي لكافة أجناس البشر و مذاهبهم و طبقاتهم و أممهم و الذي لابد منه قبل الإعلان عن انبثاق نظمه العالمي الجديد.
عندئذ يحق الإعلان عن بلوغ الجنس أو النوع الإنساني برمته مرحلة الرشد و النضج و يحق لكافة سكان و أمم الأرض الاحتفال بذلك. و حينذاك سترفع راية الصلح الأكبر. و حينئذ سيعترف بسلطنة مؤسس ملكوت الأب السماوي الذي تنبأ عنه و دعا إليه الابن (عيسى المسيح) كما تنبأ من سبقه من الأنبياء و من أتى بعده و يهلل بها و تتأسس تأسيساً راسخاً. ثم يلي ذلك ولادة حضارة عالمية و ازدهارها و دوامها، حضارة عامرة بحيوية لم يشاهد العالم ولا يمكن حتى تصور مثيلها. و عندذاك سيتحقق الميثاق الأبدي – عهد و ميثاق الباري عز و جل لخلقه – بتماميته. و حينئذ سيجد الوعد الذي انطوت عليه كافة كتب الله المنزلة بِره و مصداقيته و تتحقق كافة ما نطق به الأنبياء الأقدمون من نبوءات و ما ترنم به وحلم الأولياء و الشعراء. و عندئذ نجد كوكبنا الأرضي و قد انبعثت في أوصاله ذبذبة الحياة و الحركة بدافع إيمان سكانه بإله واحد وولائهم لشريعة إلهية واحدة، نجده يعكس، في حدود ما قدر له من إمكانات، سناء و أمجاد سلطنة حضرة بهاء الله متلألئة في كمال جلالها في جنة الأبهى حيث جعلت موطئ قدمي عرشه السماوي و يهتف لها إذ صارت سماء أرضية قادرة على تحقيق ما قدر لها من غاية ومصير أبدي من .قديم الأزل من قبل محبة و حكمة خالقها.”

 

صدر لي الآن 13/8/2018 مقالي “تبيان وبرهان (13)”


تبيان وبرهان (13) 

https://thedayunique.blogspot.com/?zx=90b15fd5d5e29363 

صدر لي الآن 12/8/2018 مقالي “السلام العالمي (3)”


السلام العالمي (3) 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=608327

صدر لي الآن 30/7/2018 مقالي ” السلام العالمي (2)”


السلام العالمي (2 ) 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=606955

صدر لي الآن 30/7/2018 مقالي “ازدهار الجنس البشري 4-8”


ازدهار الجنس البشري 4-8 

http://elsada.net/88024/

صدر لي اآن 15/7/2018 مقالي “السلام العالمي (1)”


السلام العالمي (1)

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=605433

صدر لي اليوم 8/7/2018 مقالي ” ازدهار الجنس البشري 3- 8 “


ازدهار الجنس البشري 3- 8 

http://elsada.net/86424/ 

صدر لي أمس 1/7/2018 مقالي “نقطة تحول في مسيرة الحضارة الإنسانية 5-5”


 نقطة تحول في مسيرة الحضارة الإنسانية 5-5 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=604096

صدر لي الآن 23 /6/2018 مقالي “ازدهار الجنس البشري 2-8 “


ازدهار الجنس البشري 2-8 

http://elsada.net/85616/

صدر لي الآن 16/6/2018 مقالي “نقطة تحول في مسيرة الحضارة الإنسانية 4-5 “


 نقطة تحول في مسيرة الحضارة الإنسانية 4-5 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=602564