نداء لأهل العالم (1)


نداء لأهل العالم

يعتقد البهائيون اعتقادا راسخا بأن جوهرَ التعاليمِ التي أعلنها حضرة بهاءالله للعالمِ هو أن الحقائقَ الدينية أمرٌ نسبي و ليس مطلقاً والظهوراتِ الإلهية هي عمليةٌ مستمرةٌ ومتجددة. إن جميعَ الأديان الكبرى في العالم أساسُها إلهي ، وأن جميعَ مبادئِها و أصولِها متوافقةٌ بالكامل، آمالُها ومقاصدُها واحدة، تعاليمُها هي تجلياتٌ متنوعة لحقيقةٍ واحدة، و وظائفُها وأدوارُها متممةٌ بعضُها بعضاً. تختلفُ الأديانُ وتتباينُ فقط في الجوانبِ غير الجوهرية (التعاليم الفرعية) لمبادئِها، فرسالةُ كلٍ منها تُمَثَلُ مرحلةً من المراحلِ المتتابعةَ في تكاملِ المجتمعِ الإنساني.

إن هدفَ حضرة بهاء الله رسولِ هذا العصرِ الجديد والعظيم للعالمِ الإنساني  ……  ليس طمس أو تشويه الظهوراتِ السابقة بل إتمامَها وإكمالَها وتحقيق التصالحُ بين الأديانِ لا إشعال فتيلِ البغضاء جراء اختلاف المعتَقدات، التي من شأنها أن تُمزِّقَ المجتمعاتِ الحاليةَ وتوقعُها في الفوضى.

لم يكن هدفُ وغايةُ حضرة بهاء الله أن يقلِّلَ من شأنِ السلف من الأنبياءِ أو أن يحطَّ من قيمةِ تعاليمهم بل أن يُؤكدَ من جديد الحقائقَ الأصليةَ المكنونة في تلك التعاليمِ و يبينَها بحيث تتفق واحتياجات العصر الذي نعيشُ فيه وتتناسبُ مع قدراتِه وتتلاءمُ مع مشكلاتِه وما يضطرمُ فيه من بلايا واضطراباتِ.

يُقِرُّ الدينُ البهائي بوحدانيةِ الله ووحدانيةِ الرسل، ويعتقدُ بوحدةِ الجنسِ البشري وجامعيتِه وينادي ويُصرِّح بضرورةِ بحتميةِ اتحادِ العالم الإنساني ويُؤكدُ بأنه يقتربُ منه تدريجياً. يعلنُ الدينُ البهائي أن الروحَ الإلهيةَ الخلاقةَ والساريةَ في كلامِ المبعوثِ الرباني هي وحدها التي تستطيعُ أن تضمنَ اتحادَ بني البشر وتحققَه في هذا العصر. فضلا عن ذلك فإن الدينَ البهائي يكلِّفُ أتباعَه الفريضةَ الجوهرية وهي تحري الحقيقةِ بلا قيود ويدينُ جميعَ أنواعِ التعصب والخرافات ويصرِّحُ بأن غرضَ الدينِ هو تعزيزُ السلامِ والتفاهم. يعلنُ الدينُ البهائي أيضاً انسجامَه وتوافقَه الضروري مع العلمِ و يعتبرُه السببَ الأعظمَ لصلحِ العالمِ والتقدمَ المنهجي لمجتمعِ العالمِ البشري.

يدافعُ الدينُ البهائي بصورةٍ قاطعةٍ عن مبدأ المساواةِ بين الرجلِ والمرأةِ في الحقوق والواجباتِ بشكل مطلق، ويُؤكدُ وجوبَ التعليمِ الإجباري ويسعى لإزالة الفقرِ المدقعِ والثروةِ المفرطةِ، كما يلغي المؤسسةَ الكهنوتية، ويحظُرُ الرِّقَ والزهدَ والتقشفَ والتسولَ والرهبنة، والدين البهائي لا يجيزُ تعَدُّدَ الزوجات كما يذمُّ الطلاقَ ، ويؤكدُ ضرورةَ إطاعةِ الفرد التامة للحكومةِ التي ينتمي إليها، كما أنه يمجِّدُ أيَّ عملٍ يؤديه المرءُ بروحِ الخدمةِ ويرفعه إلى مرتبةِ العبــادة، وإضافة على ذلك فإنه يحضُّ على انتخابِ لسانٍ عامٍ دولي أو إبداعِه ويحدِّدُ الخطوطَ العريضةَ للمؤسساتِ التي يتوجبُ عليها أن تضمنَ تحققَ الصلحِ العام للعالمِ الإنساني واستمرارَه.

الدينُ البهائي يدورُ حولَ ثلاثِ شخصياتٍ محوريةٍ عظيمةٍ وبارزة :

أولى تلك الشخصياتِ : هي شابٌ من أهالي شيراز يُدعىٰ سيد علي محمد المعروف بحضرةِ الباب وقد أعلنَ إظهارَ أمرِه في شهر مايو عام 1844م عندما كان في الخامسةِ والعشرين من عمرِه وبأنه هو الرسولُ والمبشِّرُ بظهورِ شخصٍ جليل أعظم منه وفقاً للكتبِ المقدسة للرسالاتِ السابقة وكان ظهورُه ضروريا لتمهيدِ الطريق لظهورِ حضرة بهاء الله الذي سوف تكون رسالتُه بناءً على بشاراتِ تلك الكتبِ المقدسة هي افتتاحُ عصرِ الصلحِ والسلام والعدلِ والتقوى في العالم , عصرٌ سيتحققُ فيه إتمامُ الظهورات السابقةِ وإكمالُها ويبدأُ فيه كورٌ جديدٌ في التاريخِ الديني للعالم الإنساني. اِبتُلي حضرةُ الباب في وطنِه بالظلمِ والجورِ الشديد من قبل رؤساءِ الدين والدولةِ وانتهى بتوقيفِه ونفيه إلى جبالِ آذربايجان وحبسِه في قلعةِ ماكو وچهريق ثم استشهادِه في ميدان تبريز في التاسع من شهر يوليو عام 1850م رمياً بالرصاص ولقد قُتِلَ أكثرُ من عشرين ألفاً من أتباعِه بقساوةٍ ووحشيةٍ هيَّجتْ التعاطفَ الحارَ الممزوج بالإعجاب التام لعددٍ من كتّابِ الغرب والدبلوماسيين والسياحِ والمحققين الذين كانوا من الشهودِ العيان لتلك الانتهاكاتِ والاعتداءات البغيضةِ البشعةِ فتحركتْ مشاعرُهم ودوَّنوا تلك المشاهدَ الفظيعةَ في كتبِهم ومفكراتِهم اليومية .

الشخصية الأخرى : هي ميرزا حسين علي والملقبُ بحضرة بهاء الله وقد كان من أهالي مازنـدران و وعـدَ بظهـورِه حضـرةُ البـاب ( الرسـولُ والمبشـر بظهـورِ حضـرة بهاء الله ). اِبتُلي حضرتُه أيضاً بهجومِ قوى الجهلِ والتعصب نفسِها حيث حُبِس في طهران ثم نُفي في عام 1852م إلى بغداد ومن ثم إلى اسلامبول وأدرنه وأخيراً إلى سجن عكا حيث ظل مسجوناً لمدةٍ لا تقلُ عن أربعَ وعشرين سنة ورحلَ عن هذا العالم في إحـدى الضواحي القريبة من مدينـة عكـا عام 1892م. قـام حضـرةُ بهاء الله خلال فترة نفيه وخاصةً في أدرنه واسطنبول بتشريعِ تعاليمَ وأحكامَ ديانتِه كما قام بتبيين أصولِ دينِه في أكثرَ من مائةَ مجلدٍ وبلّغَ رسالتَه إلى ملوكِ ورؤساءِ الشرقِ والغرب من المسيحيين والمسلمين. فلقد بعثَ خطاباتٍ مهيمنةً إلى البابا وخليفةِ المسلميــن ، رؤساءِ الجمهورية في القارة الأمريكية ومراجعِ الدين المسيحي ورؤساءِ المسلمين شيعة وسنة و كذلك رؤساءِ الدين من الزردشتيين. أعلنَ حضرة بهاء الله ظهورَه في جميع تلك الكتبِ والآثارِ وقامَ بدعوةِ مخاطبيه بأن يستجيبوا لندائِه ويقوموا بترويجِ أمرِه و أنذرهم من عواقبِ غفلتِهم و أحياناً ذمّ  ظلمَهم وتكبرَّهم وغرورَهم.

قام حضرةُ بهاء الله بتعيينِ ابنِه الأكبر عباس أفندي والمعروف بعبد البهاء الوريثُ الشرعي والمبيِّنُ المنصوصُ لتعاليمِه. كان حضرةُ عبد البهاء منذ الطفولةِ شريكا لوالِدِه العظيم في نفيه ومِحَنِه ورزاياه حيث ظل سجيناً حتى عام 1908م. تحرَّرَ حضرة مولى الورى من سجنه بعد انقلابِ ” الشباب الترك” وانقراضِ العثمانيين فتركَ عكا وأنشأَ مقرَ إقامتِه في حيفا ثم بعد فترةٍ وجيزة شرعَ بالسفرِ لمدة ثلاث سنواتٍ إلى مصرَ واوروپا وأمريكا الشمالية وقام بنشرِ تعاليمِ والدِه وأبيه السماوي في تلك الأسفار أمامَ جمهورٍ كبيرٍ من النفوسِ وتنبأَ بقربِ وقوعِ كارثةٍ ومحنةٍ عظيمةٍ  سوف تصيبُ العالمَ الإنساني. رجع حضرتُه إلى موطنِه حيفا عشيةَ الحربِ العالمية الأولى، حيث كان مُعَرَّضاً لخطرٍ مستمر حتى زمن تحرير فلسطين تحت قيـادة الجنـرال اللنبي ( Allenby ) والـذي قــدَّمَ قـصــارى الاحـتـرامِ لحضــرة عبـدالبهاء وإلى العددِ القليلِ من أتباعِه في عكا وحيفا. في عام 1921م رحـلَ حضـرةُ عبد البهاء إلى الرفيقِ الأعلى ودُفِنَ بجوارِ المقامِ الأعلى أي ضريح حضرة الباب الذي شُيِّدُ على جبلِ الكرمل ويضمُ هيكلَه المطهر الذي كان قد نُقِـل سابقــاً من تبريــز إلى ارضِ المقصـود بنـاءً على تعليماتٍ صريحـةٍ من حضــرة بهاء الله وبعد أن تمَّتْ المحافظةُ عليه وإخفاؤه لمدةٍ لا تقل عن ستين عاما.

أنهتْ وفاةُ حضرة عبد البهاء العصرَ الأول للدين البهائي الموسوم بالعصر الرسولي وأعلنتْ بوضوحٍ بدايةَ عصرٍ آخر يسمى بعصرِ التكوين. عصرٌ قُدِّرَ له أن يشهدَ البزوغَ والإشراقَ التدريجي للنظمِ الإداري البهائي , نظمٌ بشَّر بتأسيسِه حضرةُ البـاب  وأنزلَ قوانينَه وقواعدَه حضرةُ بهاء الله ثم رسمَ حضرةُ عبد البهاء حدودَه وكيفيتَه في ألواح وصاياه، وتقوم الآن محافلُ الشورى المركزيةِ والمحليةِ  التي تُنتَخَب من قبل أتباعِ الأمر البهائي بوضعِ أسسِه و قواعدِه.

هذا النظمُ الإداري البهائي خلافا للمؤسساتِ الأخرى في الأديان السابقة والتي وُجِدت بعد رحيلِ رُسلِها وأصحابِها, أساسُه إلهي ويرتكزُ بقوةٍ على حدود ومبادئَ وتعاليمَ ومؤسساتٍ وضعها حضرةُ بهاء الله جليةً و واضحةً, وأنشاها بصورة دقيقةٍ في أثارِه المباركة ، هذا النظامُ يعملُ في إطار الالتزام التام بتبيينات المُبيِّنَيْن المنصوصَيْن للكتبِ المقدسة البهائية. وعلى الرغم من أن النظمَ الإداري البهائي منذ بدءِ تأسيسِه تعرض لهجومٍ شديدٍ من قِبَلِ المخالفين فقد نجحَ بفضلِ طابعِه وذاتيتِه التي لم يكن لها نظيرٌ في تاريخِ الأديانِ العالمية في المحافظةِ على وحدةِ الجامعةِ الواسعةِ الانتشار والمتنوعةِ من أتباعِه الذين هم من أصولٍ وطنيةٍ ودينيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ مختلفةٍ فمكّنتهم مجتمعين وبمنهجية من وضع خططٍ  تهدف إلى توطيدِ مؤسساتِه الإدارية, وذلك من أجل الترويج للدينِ البهائي ونشره في شرقِ العالمِ وغربِه.

  تجدر الإشارةُ إلى أن الدينَ البهائي الذي يخدمُه النظمُ البديع ويصونُه ويعزِّزُ من شأنِه هو دينٌ سماوي وعالمي في الدرجةِ الأولى وغيرُ سياسي أو حزبي ومخالفٌ تماماً لأي مرامٍ أو سياسةٍ تسعى إلى تمجيدِ عرقٍ أو طبقةٍ أو وطن. لايوجدُ في الدينِ البهائي أيَّ صيغةٍ أو شكلٍ من أشكالِ رجالِ الدين والطبقةِ الروحانية كما أنه غيرُ مقيدٍ بأي من الطبقاتِ الكهنوتيةِ أو الطقوسِ والشعائرِ التقليدية. يقومُ الدينُ البهائي بالوفاء باحتياجاتِه المادية حصرياً عن طريقِ التبرعاتِ من أتباعِه المؤمنين. وعلى الرغم من أن البهائيين مخلصون مطيعون لحكوماتِهم وقلوبهم مفعمة بعاطفةِ الحبِ لأوطانِهم ، توَّاقون لتحقيقِ مصالحِ دولتِهم إلا أنهم في الوقت نفسِه يرون العالمَ الإنساني  كجامعةٍ واحدة وينظرون بجديةٍ لمصالحِه العامةِ ولا يترددون في أن يُخضِعوا كلَّ مصلحةٍ خاصةٍ سواء كانت شخصيةً أم إقليميةً أم قوميةً لمصلحةِ العالمِ الإنساني عموماً مدركين تماماً بأنه في عالمٍ متضامنٍ ومتكاتفٍ من حيث الشعوبِ والأممِ من الأفضلِ أن يتمَّ التوصلُ إلى مصلحةِ الجزء عن طريق حفظِ مصلحةِ الكل ورعايتِها كما لا يمكنُ تحقيقُ منفعةٍ دائمةٍ وثابتة لأي جزء من الأجزاء المكونة لهيئةِ العالمِ الإنساني إذا أُهمِلَتْ المنفعةُ العامةُ برمَّتِها. (شوقي أفندي)

 

المواقع البهائية

http://www.alaqdas.org/

http://reference.bahai.org/ar

http://info.bahai.org/arabic

http://bci.org/islam-bahai/arabic/

http://www.bahai.com/arabic/

http://www.almunajat.com/

http://www.bahaullah.org/

http://www.nabaazeem.com/

http://media.bahai.org/

http://albahaiyah.global-     et.com/arabic/isr_ar.htm

 

قناة نافذة على البهائية

http://bahainafeza.wordpress.com/

 

موقع التعريف بالدين البهائي-يوتيوب

http://www.youtube.com/KolnaAhl

 

 

 

 

صدر لي الآن 16/7/2017 مقالي “قوة المحبة”


قوة المحبة

 

‘Who is Baha’u’llah?’ – teaser released for film to be used in schools across the United Kingdom


Source: ‘Who is Baha’u’llah?’ – teaser released for film to be used in schools across the United Kingdom

صدر لي الآن 2/7/2017 مقالي “الرموز والإستعارات بالكتب السماوية (3) “


الرموز والإستعارات بالكتب السماوية (3)

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=564121

صدر لي الآن 2/6/2017 مقالي “الإنسان والحرية”


الإنسان والحرية

http://elsada.net/49771/

 

صدر لي الآن 3/6/2017 مقالي “الرموز والإستعارات بالكتب السماويّة (1)”


الرموز والإستعارات بالكتب السماويّة (1)

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=561007

صدر لي الآن 29/5/2017 مقالي “استمرارية الوحي لدين الله الواحد”


استمرارية الوحي لدين الله الواحد

http://elsada.net/45486/

صدور مقالي “الرؤية البهائية لعالم متحد-(3/3) ” اليوم 7/5/2017


الرؤية البهائية لعالم متحد-(3/3)

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=557897

صدر لي الآن 6/4/2017 مقالي “تبيان وبرهان -1”


1-تبيان وبرهان  

http://www.alnoor.se/article.asp?id=318782

رؤية الدين البهائي لعالم متحد 3-3


… وتجدر الإشارة الى عدد من الميزات الديمقراطية للحكومة العالمية المنتظرة. سيكون لها أولا دستور فدرالي. وبالتالي، فإن الولايات المكونة للفدرالية ستمنح حقوقا ومسؤوليات للحكومة العالمية، وهي لن تصادرها منهم. وثانيا، ستوزع وستفصل السلطات في فروع الحكومة القضائية، والتشريعية، والتنفيذية. وسيكون للحكومة العالمية الفدرالية ثلاثة مقومات:
•هيئة تنفيذية عالمية تستطيع أن تفرض سلطتها العليا التي لا ينازعها فيها أحد على كل عضو معاند من أعضاء المجتمع الدولي،
•برلمان عالمي ينتخب أعضاؤه من بين شعوب الأقطار وتصادق على انتخابهم حكومات الأقطار ذاتها،
•محكمة عليا تكون أحكامها ملزمة للفرقاء المعنيين حتى في الحالات التي يمتنع فيها اولئك الفرقاء عن عرض قضيتهم عليها طوعا.20
إن الهيئة التنفيذية العالمية ” مرادفة للرئيس أو للمجلس المنفذ في حكومات الدول في يومنا هذا”21، وعلى الدستور أن يوضح فيما إذا وجب انتخاب أو تعيين هذه الهيئة أو الفرد. و أما مركز السلطة العليا، فهو بيد الهيئة التشريعية المنتخبة، لا الهيئة التنفيذية، خصوصاً وأن اعضاءها يعتبرون “أمناء الرحمن لمن في الإمكان” والقصد هو أنها “بالنهاية ستسيطر على كافة موارد جميع الدول المشاركة”22 وسينتخب أعضاء الهيئة القضائية “شعوب وحكومات جميع الدول”23، والهيئة “ستشكل من أعضاء منتخبين من كل بلد وحكومة” وهكذا “ستمثل جميع الحكومات والشعوب”24. ويقدم حضرة عبدالبهاء بعض التفاصيل عن كيفية إجراء هذا الانتخاب.25
“ستدعم قوة دولية”26 – قوة من الشرطة أو الجيش – الحكومة العالمية التي ستعمل ضمن نظام من الأمن الجماعي:
…أن اتحدوا يا معشر الملوك به تسكن أرياح الاختلاف بينكم وتستريح الرعية و من حولكم إن أنتم من العارفين، إن قام أحد منكم على الآخر قوموا عليه إن هذا إلا عدل مبين…27
من معامل الديمقراطية الأخرى التي ستعمل بها الحكومة العالمية: الحكم الذاتي للدول الأعضاء حق الانتخاب للجميع، حرية الفرد، حرية التصرف و”اتخاذ المبادرة الفردية”28، حرية الصحافة ” من تأثير الحكومات والشعوب المتنافسة”29 ، مساواة الناس أمام القانون، مساواة النساء والرجال، المحافظة على حقوق الأقليات، حرية الضمير30، حرية التفكير، حرية التعبير31، وحرية الدين32.
تتطلب هذه الحكومة من أعضائها المنتخبين مستوى عاليا من الحكمة السياسية و الأخلاقية
STATESMANSHIP. وفي إشارته إلى أعضاء المحكمة العالمية، بيّن حضرة عبدالبهاء أن الذين يمكن أن يخدموا فيها هم فقط “أفضل”33 الأفراد على أن يتم “اختيارهم من بين أكثر الرجال حكمة وحصافة في دول العالم كافة”34. وقد عرّف حضرته الصفات الضرورية لأولئك الذين يعملون في خدمات الحكومة على أنها “الاستقامة والأمانة”، “الاعتدال وضبط النفس”، “العفة والطهارة”، “العدالة والانصاف”.35 وهذه الصفات القيادية مرادفة للفضائل التي على كل فرد أن يطورها لذاته.
أشاد البهائيون بتأسيس كل من عصبة الأمم وبعدها الأمم المتحدة معتبرين أنها خطوات باتجاه تأسيس حكومة عالمية، مع إدراكهم بجوانب الضعف والخلل فيهما. يساند البهائيون اليوم الأمم المتحدة، ولكنهم يعتبرونها بأمس الحاجة الى الاصلاح وإلى حيوية جديدة، وقد قدموا اقتراحات متعددة لهذا الغرض36. لا يصرف البهائيون النظر عن إمكانية إعادة صياغة كيان الأمم المتحدة لتصبح حكومة فدرالية، أو إصلاحها إلى درجة تمكنها من القيام بمهام حكومة عالمية عوضا عن البقاء كمكان لاجتماع الدول المستقلة – رغم أهمية ذلك. إن ما يراه البهائيون بوضوح هو أنه يجب أن تكون الحكومة العالمية قادرة على التعامل بشكل مؤثر مع التغييرات الهائلة التي ستحصل خلال المرحلة التي يحول فيها العالم ذاته إلى مجتمع متحد، وعليها أن تمتلك تلك الدرجة من القوة التي تمكنها من مقاومة التحديات التي ستواجه عملية الاتحاد من أطراف سياسية وفردية تعارضها باستياء.
وصف حضرة شوقي أفندي، سنة 1936، معالم المجتمع العالمي الذي توقع أنه سيتكون تدريجيا خلال الاعتراف الشامل بوحدة العالم الانساني:
سيتم اختراع تقنية لتبادل الاتصالات عالميا تغطي جميع أنحاء هذه المعمورة متحررة من أية عوائق وقيود قومية، وتعمل بسرعة عجيبة ودقة متناهية.37 وستعمل عاصمة عالمية بمثابة العصب النابض لحضارة عالمية تتوجه اليها جميع القوى الموحدة للحياة، ومنها تشع طاقاتها المؤثرة والمحركة. وسيتم ابتكار لغة عالمية، أو اختيارها، من بين اللغات الموجودة، وستدرس في مدارس جميع الدول المنتمية إلى الفدرالية العالمية، كلغة إضافية على لغة الأم. وما سيؤدي إلى تبسيط وتيسير العلاقات والتفاهم فيما بين دول العالم وما فيه من أجناس بشرية هو وجود خط عالمي، أدب عالمي، ونظام موحد للعملة والأوزان والمقاييس.38
وقد وصف حضرة شوقي أفندي أيضا الفوائد والإنجازات التي ستتحقق عندما يتقدم المجتمع العالمي ويتطور نحو الكمال:
في مثل هذا المجتمع العالمي، سيتفق الدين والعلم وهما القوتان ذات الفاعلية القصوى في حياة الإنسان، وسوف يتعاونان ويتطوران بانسجام. وفي ظل هذا النظام ستتحرر الصحافة، وهي التي تعبر عن جميع ما لدى البشر من آراء وقناعات مختلفة، ومن أهواء المصالح الخاصة، الشخصية منها أو العامة، التي تعبث بها، ومن ضغوط حكومات وشعوب العالم المتنافسة والمتنازعة. وستنظم موارد العالم الاقتصادية، وتستثمر مصادر مواده الأولية وتستخدم بشكل كامل، وتنسق أسواقها التجارية، وسينضبط توزيع وتسويق إنتاجها إنضباطاً عادلا. وستتوقف المنافسة، الكراهية، الخداع والتآمر بين الدول، وسيحل مكان العداوة والتعصب العرقي الوفاق والتفاهم والتعاون فيما بين الأجناس البشرية. وسترفع نهائياً أسباب النزاع بين الأديان، وستلغى الحواجز والقيود الاقتصادية إلغاء كاملا، ويزول التمييز المجحف بين الطبقات. وسيختفي الفقر المدقع من ناحية والملكية المفرطة من ناحية أخرى. وستكرس الطاقات الهائلة المبددة والضائعة على الحروب، اقتصادية كانت أو سياسية. على اتساع دائرة الاختراعات الإنسانية والتطورات التقنية. وذلك بهدف زيادة إنتاجية البشرية، القضاء على الأمراض، اتساع الأبحاث العلمية، رفع مستوى العناية بالصحة الجسدية، تنمية عقل الإنسان وتهذيبه، استثمار موارد الكرة الأرضية غير المستعملة والتي لم تكن في الحسبان، إطالة أمد حياة الإنسان، ولتأييد أية هيئة تعمل على تنسيط حياة الإنسانية الفكرية، الأخلاقية، والروحانية بكاملها.39
آليات الصلح الأصغر
-مع تقدم الإنسانية نحو المراحل الأولى من الصلح الأصغر وولوجها فيه، سيطور المجتمع الآليات ويخلق المؤسسات والعمليات التي تعمل في اتجاهين هما، المساعدة في إرساء قواعد الصلح الأصغر، وتنشيط المزيد من التقدم نحو إنجازه. عّرف حضرة بهاء الله عددا من هذه القواعد ومنها، اختيار أو ابتكار لغة عالمية مساعدة مع خطها، تحديد معايير عالمية للأوزان والمقاييس، خلق عملة عالمية واحدة وتأسيس “مخازن” أو أمكنة لإيداع الأموال في المجتمعات.
-دعا حضرة بهاءالله الإنسانية في كتابه الأقدس لتتبنى لغة عالمية مع خطها “هذا سبب الاتحاد” و “العلة الكبرى للاتفاق والتمدن”40. توجد مرحلتان لهذه العملية: الأولى هي اختيار حكومات العالم للغة أو ابتكارها، ليتعلمها الأطفال حول العالم كلغة إضافية مساعدة للغة الأم، وثانيا اعتماد لغة وخط واحد للجميع في المستقبل البعيد.
-وبالمثل، فإن تبني نظام واحد للأوزان والمقاييس سيُبسط التصنيع وعمليات صناعية أخرى ويسهل التجارة والأعمال على النطاق الدولي. وفي وقت أصبحت فيه الأسواق المالية الدولية أكثر عرضة للتقلب بسبب الأوصاع العالمية، وأصبحت الحدود الدولية قابلة للاختراق أكثرمن ذي قبل، ويتنقل المال حول العالم بسرعة متزايدة، وفي الوقت الذي وضع فيه الاتحاد الأوروبي عملة خاصة به، وتفشى تبييض الأموال لدعم الإرهاب، أصبح نداء حضرة بهاءالله لوضع نظام نقدي موحد ليس فقط ممكنا، بل عملي ومنطقيا. إن وجود عملة عالمية واحدة لن يقضي على المضاربة في أسواق النقد فحسب، بل ستسهل إلى حد كبير المعاملات التجارية وتقلص الهوة بين الدول الغنية والفقيرة.
-طرح حضرة عبدالبهاء فكرة تأسيس ما وصفه بأنه “مخازن” في كل قرية وبلدة ومدينة حتى “يتمكن كل فرد في المجتمع أن يعيش بارتياح وسعادة وبدون منة أحد.”41 إن فكرة المخازن، او مخازن المال، هي أن كل فرد ذي مدخول، يساهم فيها كضريبة صغيرة. وللمخزن مصادر تمويل أخرى: من موارد الزراعة والحيوانات والمناجم، ومن ممتلكات المتوفين الذين لم يكتبوا وصية، ومن اكتشاف الكنوز في الأرض. يُشرف على إ دارة المخازن أُمناء منتخبون، ويستفيد منه أولئك الذين هم بحاجة إلى مساعدة طارئة، اليتامى، المعاقون، الفقراء والكبار في السن. وما يتبقى في المخزن بعد العناية بالجميع، وتسديد المصاريف، يحول إلى خزينة الدولة. ويسعمل نظام أكثر تعقيدا في المدن الكبيرة. هذا الاجراء هو أسلوب من الأساليب للقضاء على أقصى درجات الغنى والفقر التي تضر وحدة المجتمع وتماسكه.
الصلح الأكبر:
إن أولى مراحل الصلح الأصغر هي “اتحاد سياسي يتحقق بنتيجة قرار يتخذه حكومات دول متعددة”42. وهم يُقدمون على هذا العمل بمفردهم، بدون أية مشاركة متعمدة أو مباشرة من قبل بهائيين ، أو أية خطة أو مجهود من قبل المجتمع البهائي. البهائيون يساندون العملية- جعل حضرة بهاءالله من واجبات بيت العدل الأعظم ترويج الصلح الأصغر43- ولكنهم لا يتعاطون مباشرة في تطويره. يرى البهائيون دورهم في هذه المرحلة على أنه تمهيد لتحضير الأرضية للسلام عن طريق ترويج مبادئ دينهم، وبناء مؤسساته، وبذلك يوجدون، من ناحية، المحيط الذي يمكن للسلام أن يتأسس ويستديم فيه، ومن ناحية أخرى يطورون هيئات تكون نموذجا للمجتمع العالمي في المستقبل.
وبينما يتبلور الصلح الأصغر، ويزداد المجتمع العالمي رسوخا، سيكون للدين البهائي ولتعاليم حضرة بهاءالله دور مباشر وتأثير أكثر من ذي قبل على تطويره، وسيقدم النصح للحكومات ويعرض عليهم نموذج الإدارة البهائية التي، كما يعتقد البهائيون، ستشكل نمط الحكم على الكرة الأرضية.44
يتنبأ البهائيون أن مسار المجتمع الإنساني في تحوله من وضعه الحالي مروراً بالصلح الأصغر ووصولا إلى الصلح الأكبر سيكون مساراً طويلا وتدريجيا. وبينما يسير العالم في هذه العملية، يسير الدين البهائي بنفسه في مراحل مختلفة من تطوره داخليا وخارجيا: مراحل من “المجهولية ثم القمع المركز ثم التحرير التام والذي سيؤدي بدوره الى الاعتراف به كدين مستقل يتمتع بالمساواة التامة مع باقي الديانات، ليتبع ذلك الاعتراف به كدين دولة، والذي سيؤدي بدوره الى حصوله على تلك الحقوق والامتيازات المرتبطة بالدولة البهائية، بحيث يبدأ بالعمل بكامل طاقته، وهي مرحلة ستؤدي في النهاية إلى بزوغ رابطة الشعوب البهائية ليعمل في انسجام تام مع روح أحكام ومبادئ حضرة بهاءالله.”45
يتزامن تأسيس رابطة الشعوب البهائية مع “العصر الذهبي” للدين البهائي، والوصول إلى الصلح الأكبر و “تفتح” حضارة عالمية، “ملهمة بإلهامات غيبية، فريدة في معالمها، محيطة بالعالم في مداها، وروحانية في جوهره.”46
المجتمع المميز بالروحانية
يعتقد البهائيون أن طريق التحول من الوضع الفوضوي الحالي للمجتمع العالمي إلى قيام رابطة شعوب عالمية فاعلة بشكل كامل سيكون طويلا وشاقا. في أثناء هذا المسار الطويل ستظهر أخطار و تحديات كثيرة ومن المنتظر حدوث نكسات. ومن المتوقع أن المراحل الأولية لن تكون خالية من الصدام – لذلك تبرز الحاجة إلى قوى عسكرية أو شرطة دولية، وإلى وجوب تحديد مستوى التسلح على المستوى الوطني، وضرورة العمل بمبدأ الأمن الجماعي، ومع ذلك، وبينما يجتاز المجتمع هذا المسار، على أعضائه أن يبقوا تركيزهم على تطورهم الروحاني بالإضافة إلى تقدمهم الاجتماعي. على المجتمع بذاته أن يبقى روحانيا خلال هذه الرحلة الطويلة. لقد حذر حضرة بهاءالله بنفسه “أن التمدن…لو يتجاوز حد الاعتدال… إنه يصير مبدأ الفساد في تجاوزه كما كان مبدأ الإصلاح في اعتداله”،47 كما ذكّر الانسانية إن هدفها هو أن “تسير قُدُما بحضارة دائمة التقدم” وأن الفضائل التي يحتاجها الأفراد على هذاالمسار هي “اللطافة، الرحمة، الشعور مع الغير والمحبة الحنونة تجاه جميع سكان وشعوب الأرض”48 وهي نفس المقومات الضرورية لكل مرحلة من مراحل حياة الفرد. يحتاج المجتمع الروحاني إلى أناس روحانيين يعرفون  . أنفسهم ويعرفون خالقهم.

(من كتاب-فهم الدين البهائي)

….انتهى المقال-شكراً لمتابعاتكم.

المراجع

20-شوقي أفندي، من كتاب بهاءالله والعصر الجديد، ص 329 -330
21-شوقي أفندي،

SHOGHI EFFENDI, 1934 (معرب بتصرف)
22-شوقي أفندي،
SHOFHI EFFENDI, 1991.P.203 (معرب بتصرف)
23-عبدالبهاء
ABDU’L –BAHA,1967.P.155 (معرب بتصرف)
24عبدالبهاء،
ABDUL-BAHA 1978,P.249 (معرب بتصرف)
25عبدالبهاء،
IBID.P. 306
26شوقي أفندي،
SHOGHI EFFENDI, 1991,P.203 (معرب بتصرف)
27بهاءالله، الواح حضرة بهاءالله إلى الملوك والرؤساء، ص 61
28عبدالبهاء،
ABDUL-BAHA 1978,P.302: SHOGHI EFFENDI 1991.203 (معرب بتصرف)
29شوقي افندي،
SHOFHI EFFENDI, 1991,P.204 (معرب بتصرف)
30شوقي أفندي،
SHOGHI EFFENDI 1934,: ABDUL-BAHA,1980,P.87
31عبدالبهاء،
ABDU’L-BAHA, 1982, P.197
32عبدالبهاء،
SHOGHI EFFENDI, 1980,P.86
33عبدالبهاء،
ABDUL’-BAHA 1978,P.306 (معرب بتصرف)
34عبدالبهاء،
ABDUL-BAHA, IN STAR OF THE WEST, 1914.P.117 (معرب بتصرف)
35عبدالبهاء،
ABDUL-BAHA, IN COMPILATION, 1991, VOL.2.P.342 (معرب بتصرف.
36راجع الجامعة البهائية العالمية،
BAHAI INTERNATIONAL COMMUNITY, 1995B
37شوقي افندي،
SHOFHI EFFENDI, 1991.P.203 (معرب بتصرف)
38شوقي أفندي،
SHOGHI EFFENDI, 1991.P.203 (معرب بتصرف)
39شوقي أفندي، المصدر أعلاه ص 203 -4 (معرب بتصرف)
40بهاءالله، الكتاب الأقدس، فقرة 189
41عبدالبهاء،
ABDUL-BAHA 1945, P41 (معرب بتصرف)
42بيت العدل الاعظم،
UNIVERSAL HOUSE OF JUSTICE,1985A (معرب بتصرف)
43بهاءالله،
BAHA’U’LLAH 1988B.P.89
44بيت العدل الأعظم،
UNIVERSAL HOUSE OF JUSTICE, 1983,
45شوقي أفندي، ظهور عدل الهي ص 32 (معرب بتصرف)
46شوقي أفندي،
SHOFHI EFFENDI, 1971.P.75 (معرب بتصرف)
47بهاءالله، منتخباتي..فقرة رقم 164، ص 220
48بهاءالله،
IBID.P.215(معرب بتصرف)