بهاء الله- مَوْلِدُ الظّهُورِ الجَدِيد (2)


استهلَّ بهاء الله مهامّ بعثته في سجن تَحت الأرض في طهران في شهر آب (أغسطس) عام 1852.  وكان قد رفضَ الوظائف الوزاريّة المتاحة له، وهو سليل أسرة نبيلة تحدّرت من الأسر المالكة الفارسيّة العريقة، واختار عوضاً عن جاه الوزارة أن يصرف جلَّ وقته في أعمال الخير والإحسان.  وبحلول عام 1840 ذاع صيته الخيّر واشتهر بين النّاس فَلُقِّبَ “بأبي الفقراء”.  وبدأت الامتيازات الاجتماعيّة التي كان يتمتّع بها بالانحسار بعد عام 1844، عندما أصبح أحد المناصرين الرّئيسيّين لحركة كان لها أن تُحَوِّل مجرى التّاريخ في بلاده.

ساد معظم البلدان في السّنوات الأولى للقرن التّاسع عشر الميلاديّ شعورٌ عميق من التّرقّب والانتظار بعودة السّيّد المسيح.  وتوجّه المؤمنون المخلصون من خلفيّات دينيّة مختلفة إلى كتبهم الدّينيّة المقدّسة يستقرئونها تفسيراً لما لمسوه من تحوّلاتٍ متلاحقة سريعة في الشّؤون الإنسانيّة، وقد أقلقهم إلى حدٍّ كبير إدراكُهم للنّتائج المترتّبة على الثّورة الصّناعية والأبحاث العلميّة الجارية.  فقامت مجموعات في أوروبا وأمريكا مثل “الهيكليّون” و”الميلاريّون” اعتقدت أنها وجدت في الآثار المقدّسة المسيحيّة دليلاً يثبت صحّة اعتقادها بأنّ التّاريخ قد انتهى، وأنَّ المجيء الثّاني للسيّد المسيح بات وشيك الحدوث.  وقامت ضجّة مشابهة في الشّرق الأوسط حول النّبوءات المختلفة الواردة في القرآن الكريم والأحاديث النّبويّة الشّريفة مشيرةً إلى أنّها هي أيضاً وشيكة التّحقّق.

وكانت أكثر الحركات المتعلّقة بالمجيء الثّاني للسيّد المسيح وعودة عيسى ابن مريم إثارةً وأهميّة، تلك الحركة التي ظهرت في بلاد فارس وكان محورها شخصيّة تاجر شاب من شيراز، والتّعاليم التي جاء بها.  وعَرَفَ التّاريخ ذلك التّاجر الشّاب باسم “الباب”[i].  بشّر الباب بأنّ يوم الله قريب وأنّه هو الموعود في القرآن والحديث.  فأثارت دعوته هذه، ولمدّة تسع سنوات من عام 1844 إلى عام 1853، عاصفةً من الأمل والانفعال أحاطت بالأمّة الفارسيّة على اختلاف طبقاتها.  وأعلنَ البابُ أيضاً أنَّ الإِنسانيّة تقفُ على عتبة عصر جديد سيشهد إعادة بناء الحياة من كلّ ناحية من نواحيها، وأنَّ ميادين للعلم ستُكتشف ولا يمكن إدراكها الآن، ستمكّن أطفال العصر الجديد من التّفوّق على أعلم العلماء من معاصريه.  وأنَّ الله قد دعا الجنس البشري ليتبنّى هذه التّغيّرات والتّحوّلات فيأخذ النّاس على عواتقهم مسؤوليّة تغيير حياتهم الرّوحيّة والخلقيّة.  وأعلن الباب أنّ لبعثته هدفاً هو إعداد

الجنس البشريّ وتهيئته لاستقبال ذلك الحدث الذي يكمن في لُبّ هذه التّطوّرات، ألا وهو ظهور ذلك الرّسول الذي سوف يبعثه الله إلى العالم بأسره، أي مَنْ “سوف يُظهره الله” ومَنْ ينتظر مجيئه أتباعُ الأديان السّماويّة كلّها.[ii]

أثارت الدّعوةُ هذه علماءَ المسلمين، فقاموا يحاربونها بعنف وشراسة، مدّعين بأنّ الرّسالة الإلهيّة انتهت بمحمّد، وأنّ أيّ إقرار مخالف لذلك يمثّلُ ارتداداً عن الدّين عقابه القتل.  وسرعان ما انضمّت السّلطات الفارسيّة إلى العلماء تساندهم في حملة تشهيرهم بالباب.  وقُضيَ على الآلاف من أتباع الدّين الجديد فسقطوا ضحايا سلسلة من المذابح المروّعة في كلّ أنحاء البلاد، وأُعدم الباب علناً في التّاسع من تموز (يوليو) عام 1850.[iii]  وأثارت هذه الأحداث اهتماماً وشعوراً بالتّعاطف مع الضّحايا في الأوساط الأوروبيّة ذات النّفوذ.  فحياة الباب الطّاهرة الشّريفة، وتعاليمه السّامية النّبيلة، وبطولة أتباعه وبسالتهم، ونور الأمل الذي أشعله هؤلاء في أرضٍ خيّم عليها الظّلام بما اقترحوه من إصلاحات وتغييرات جذريّة – كلّ هذا كان له تأثير عميق في نفوس عدد من الشّخصيّات العالميّة المرموقة، أمثال ارنست رينان، وليو تولستوي، وسارة برنار، والكونت دي غابينو.[iv]

وكان أن اشتهر بهاء الله كأبرز المدافعين عن أمر الباب، فألقي القبض عليه وأحضر إلى طهران سيراً على الأقدام مكبّلاً بالسّلاسل والأغلال.

ولم يصدر حكم بإعدام بهاء الله، كما كان يطالب بذلك بعض الشّخصيّات ذات النّفوذ في البلاط الإمبراطوريّ.  ولعلّ ذلك كان إلى حدٍّ ما بسبب ما كان يتحلّى به بهاء الله من سمعة مرموقة، وما كان لأسرته من مكانة اجتماعيّة، بالإِضافة إلى موجة الاستنكار التي عمّت السّفارات الغربيّة احتجاجاً على المذابح ضدّ البابيّين.  فكان السّجن بديل الإعدام، وأُلقِيَ ببهاء الله في سجن “سياه چال”، المشؤوم والمعروف “بالقَعر المُظلِم”، وهو سجن في باطن الأرض تملأ أرجاءه الحشرات والفئران والجرذان، وكان أصلاً خزّاناً للمياه حُوِّل إلى سجن للمجرمين.  ولم توجّه إلى بهاء الله تهمة معيّنة، وأُبقِيَ هو وثلاثون من أصحابه رهن الاعتقال دون أن يكون لهم حقّ المراجعة، وسُجنوا في تلك الحفرة المظلمة النّتنة يحيط بهم عتاة المجرمين ممّن صدرت بحقّهم أحكام الإِعدام.  وَصُفِّد عنق بهاء الله بقيد غليظ يثقل حمله، كان من وطأته على حامليه أنَّهم أَعطَوْه اسماً خاصّاً به هو “قره كهر”. ولم يهلك بهاء الله في السّجن بسرعة كما توقّع أعداؤه.  فكان أن دُسّ له السّمّ في طعامه، ولكنّه نجا من هذه المحاولة وعاش حاملاً أثر ذلك القيد البغيض مطبوعاً على عنقه مدى الحياة.

تُركّز آثار بهاء الله الكتابيّة على عرض مسهب للمسائل الكبرى التي شغلت علماء الدّين والفقهاء عبر القرون.  فهي تتناول بالشّرح والتّفسير المواضيع التّالية: عظمة الله سبحانه وتعالى، دور الظّهور الإِلهيّ في التّاريخ الإنسانيّ، علاقة النّظم الدّينيّة في العالم بعضها ببعض، معنى الإيمان، القواعد الخلقيّة كأساس لأيّ سلطة مسؤولة عن تنظيم المجتمع الإنسانيّ.  وتحتوي هذه النّصوص المقدّسة مقاطع يتحدّث فيها بهاء الله بصراحة وحرارة عن اختباراته الرّوحيّة الخاصّة، ويصف لنا كيف لبّى النّداء الإلهيّ الذي وُجِّهَ إليه، ويشير إلى الحوار الذي جرى بينه وبين “الرّوح الأعظم”، وهو الحوار الذي يحدّد جوهر بعثته.  ولأوّل مرّة في تاريخ أيّ دين من أديان البشر تسنح للباحث المدقّق فرصة يقف فيها وجهاً لوجه ليدرس بوضوح كامل ظاهرة “الظّهور الإِلهيّ”.

وفي مغرب حياته كتب بهاء الله يستعيد ذكرى اختباراته الأولى فأورد وصفاً مختصراً للظّروف والأحوال التي مرّت به في سجن “سياه چال” بطهران:

“… وَعُيِّنَ لَنا مَقَرٌّ لِمُدّةِ أربَعَةِ أشْهُرٍ لا شَبيهَ لَهُ ولا مَثيل… وَبَعْدَ أنْ وَرَدْنا السِّجْنَ قادونا إلى دِهْليزٍ مُظْلِمٍ ثُمَّ هَبَطْنا ثَلاثَ دَرَكاتٍ وَبَلَغْنا الْمَقَرَّ الّذي عَيَّنوهُ.  أمّا المكانُ فكانَ مُظْلِماً يَعيشُ فيهِ ما يَقْرُبُ مِنَ المائةِ والخَمْسينَ مِنَ اللُّصوصِ وَالقَتَلَةِ وَقُطّاعِ الطُّرُقِ.  وَبِالرَّغْمِ مِنْ وُجودِ هذا الْجَمْعِ الْغَفيرِ فإنَّ الْمَكانَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مِنْ مَنْفَذٍ سِوى الطَّريق الذي وَرَدْنا مِنْهُ.  إنّ الأقْلامَ لَتَعْجِزُ عَنْ وَصْفِهِ، وَالبَيانَ يَكِلُّ عَنْ بَيانِ رَوائِحهِ الْمُنْتِنَةِ.  وَكانَ مُعْظَمُ هذا الْجَمْعِ بِلا لِباسٍ وَلا فِراشٍ.  اللهُ يَعْلَمُ ما وَرَدَ عَلَيْنا في ذاكَ الْمُقامِ الأنْتَنِ الأظْلَمِ.”[v]

(مترجم عن الفارسية)

وفي كلّ يومٍ من تلك الأيّام، كان الحرّاس ينزلون إلى قعْر السّجن عبر دركاتِه الثّلاث فيقبضون على واحدٍ أو أكثر من السّجناء ويسحبونهم سحباً إلى خارج السّجن لينفِّذوا فيهم حكم الإعدام.  وروّع المراقبين الأجانبَ ما رأوه في شوارع طهران من مشاهد العنف التي ذهب ضحيّتها الشّهداء البابيّون.  فتارةً كانوا يشاهدون هؤلاء الضّحايا وقد تناثرت أشلاؤهم بعد ربطهم إلى فُوَّهات المدافع، وتارة رأوهم وقد قُطِّعوا إرْباً إربْاً بالفؤوس والسّيوف، أو أُوقِدت الشّموعُ لتثبّت في أغوار جراحهم وهم يُساقون إلى أماكن إعدامهم.[vi] وفي خِضمّ هذه الأحداث والظّروف، ووسط توقّعات بهاء الله صدور حكمٍ بإعدامه، نزل عليه الوحي معلناً تباشير بعثته وبوادر التّجلّي الإِلهيّ على روحه:

“وَفي ذاتِ لَيْلَةٍ أَصْغَيْتُ إلى هذِهِ الكَلِمَةِ العُلْيا في عالَمِ الرُّؤْيا مِنْ جَميعِ الْجِهاتِ: إنَّا نَنْصُرُكَ بِكَ وَبِقَلَمِكَ.  لا تَحْزَنْ عَمّا وَرَدَ عَلَيْكَ. وَلا تَخَفْ إنَّكَ مِنَ الآمِنينَ.  سَوْفَ يَبْعَثُ اللهُ كُنوزَ الأرْضِ، وَهُمْ رِجالٌ يَنْصُرونَكَ بِكَ وَبِاسْمِكَ الّذي بِهِ أحيا اللهُ أفْئِدَةَ العارِفينَ.”[vii]

(الجملة الأولى فقط مترجمة عن الفارسية)

وهكذا يصفُ بهاء الله موضِّحاً تأثير القوّة المتدفّقة للنّداء الإلهيّ عليه، تجربةً تذكِّرنا بمواقف أخرى لبوذا وموسى والمسيح ومحمّد، لم يصلنا منها إلاّ المقتضبُ اليسير، ومن مصادر ثانويّة فقط، فيما بقي لدينا من سِيَر هؤلاء الرُّسُل.  ويسترسل بهاء الله في وصف تلك التّجربة فيقول:

“وَبِالرًّغْمِ مِنْ أنَّ النَّوْمَ كانَ عزيزَ المَنالِ مِنْ وَطْأةِ السَّلاسِل وَالرَّوائِحِ المُنْتِنَةِ حينَ كُنْتُ رَهينَ سِجْنِ أرْضِ الطّاء [طهران] إلاّ أَنّني كُنْتُ في هَجَعاتي اليَسيرَةِ أُحسُّ كَأنَّ شَيْئاً يَتَدَفَّقُ مِنْ أعْلى رَأسي وَيَنْحَدِرُ على صَدْري كَأَنَّهُ النَّهْرُ العَظيمُ يَنْحَدِرُ مِنْ قُلَّةِ جَبَلٍ باذِخٍ رَفيعٍ إلى الأرضِ فَتَلْتَهِبُ جَميعُ الأعْضاءِ لذلِكَ.  في ذلِكَ الحينِ كانَ اللِّسانُ يُرتِّلُ ما لا يَقْوى عَلى الإِصْغاءِ إلَيْهِ أحَدٌ.” [viii]

(مترجم عن الفارسية)

المراجع


4         اسم الباب هو السّيّد علي محمّد، ولد في مدينة شيراز في اليوم العشرين من شهر تشرين الأول (أكتوبر) عام 1819.

5         المقاطع الواردة في آثار الباب والتي تشير إلى “مَنْ يُظْهِرُهُ الله” تحتوي على إشارات خفيّة “لسنة التّسع” وأيضاً “للسّنة التّسع عشرة” (أي تقريباً عام 1852 وعام 1863 حسب التّقويم القمريّ بالنّسبة لبداية بعثة الباب في عام 1844). وفي عدّة مناسبات يشير الباب أيضاً إلى بعض أتباعه الذين سوف يؤمنون “بِمَنْ يُظْهِرُهُ الله” ويقومون على خدمته.

6         تمّ الإعلان عن دعوة الباب في المساجد والأماكن العامّة من قبل مجموعات متحمّسة من الشّبّان الذين كانوا يؤمّون المعاهد الدّينيّة. وكان ردّ فعل رجال الدّين المسلمين تحريض عامّة الشّعب على استخدام العنف ضدّ هؤلاء. ولسوء الحظّ صادفت هذه الأحداث أزمات سياسيّة نجمت عن وفاة محمد شاه والصّراع الذي تلا ذلك حول من يخلفه في الملك. وقد قام زعماء الحزب السّياسيّ المنتصر في الصّراع، وهو الحزب الذي ساند الملك الصّبيّ ناصر الدّين شاه، بتوجيه الجيش الملكي ليحارب أتباع الباب المتحمّسين لدعوته. وقد اعتقد أتباع الباب، وهم الذين نشأوا وترعرعوا في بيئة إسلاميّة، أنّ لهم حقّاً مشروعاً في الدّفاع عن أنفسهم. فقام هؤلاء بتحصين أنفسهم في معاقل مؤقّتة وقاوموا صامدين لمدّة طويلة من الزّمن الحصار والهجوم الدّمويّ. وعندما تمّ التّغلّب عليهم وذبحهم بالإضافة إلى استشهاد الباب، أقدم شابّان مَهووسَان من الذين انضمّوا إلى صفوف أتباع الباب على اعتراض ركب الشّاه في أحد الطّرق العامّة وأطلقوا عليه رصاص الخُرْدُق الذي تُصطاد به العصافير. وكانت هذه محاولة طائشة لاغتيال الشّاه، وقد اتّخذت ذريعةً لأسوأ المذابح التي تعرّض لها البابيّون، وهي مذابح أثارت احتجاج السّفارات الغربيّة في طهران. وللاطّلاع على سجلّ لهذه الأحداث راجع الكتاب الإنجليزيّ

W. Hatcher and D. Martin, The Baháí Faith: The Emerging Global Religion

(San Francisco, Harper and Row, 1985) ص6-32.

7         للاطّلاع على هذه الأحداث مفصّلةً راجع “كتاب القرن البديع” الفصول 1-4. أمّا الاهتمام بأمر الباب في الأوساط العلميّة والفكريّة في الغرب فقد بدأ على وجه الخصوص عام 1856 عندما نشر الكونت دي غابينو كتابه الفرنسي “الأديان والفلسفة في آسيا الوسطى” Joseph Arthur Comte de Gobineau, Les religions et les philosophies dans l’Asie centrale (Paris, Didier, 1865).

8         بهاء الله “لوح مبارك خطاب به: شيخ محمّد تقي مجتهد اصفهاني معروف بنجفي” (لانكنهاين – ألمانيا، لجنه نشر آثار أمري بلسان عربي وفارسي، 1982) وهو الخطاب المعروف “بلوح ابن الذّئب” الذي أنزله بهاء الله باللّغتين الفارسيّة والعربيّة، ص15. يشار إلى هذا المصدر فيما بعد “بلوح الشّيخ”.

9         سجّل عدد من المراقبين الغربيّين في طهران من الدّبلوماسيّين والملحقين العسكريّين هذه الأحداث الفظيعة التي كانوا شهود عيان لها. وقد تقدّم بعض من هؤلاء باحتجاجات رسميّة لدى السّلطات في طهران. راجع الكتاب الإنجليزي.

Moojan Momen, The Babí and Baháí Religions, 1844-1944 (Oxford, George Ronald, 1981).

10       “لوح الشّيخ” ص15 و16.

11       المصدر السّابق أعلاه، ص16.

نداء لأهل العالم (1)


نداء لأهل العالم

يعتقد البهائيون اعتقادا راسخا بأن جوهرَ التعاليمِ التي أعلنها حضرة بهاءالله للعالمِ هو أن الحقائقَ الدينية أمرٌ نسبي و ليس مطلقاً والظهوراتِ الإلهية هي عمليةٌ مستمرةٌ ومتجددة. إن جميعَ الأديان الكبرى في العالم أساسُها إلهي ، وأن جميعَ مبادئِها و أصولِها متوافقةٌ بالكامل، آمالُها ومقاصدُها واحدة، تعاليمُها هي تجلياتٌ متنوعة لحقيقةٍ واحدة، و وظائفُها وأدوارُها متممةٌ بعضُها بعضاً. تختلفُ الأديانُ وتتباينُ فقط في الجوانبِ غير الجوهرية (التعاليم الفرعية) لمبادئِها، فرسالةُ كلٍ منها تُمَثَلُ مرحلةً من المراحلِ المتتابعةَ في تكاملِ المجتمعِ الإنساني.

إن هدفَ حضرة بهاء الله رسولِ هذا العصرِ الجديد والعظيم للعالمِ الإنساني  ……  ليس طمس أو تشويه الظهوراتِ السابقة بل إتمامَها وإكمالَها وتحقيق التصالحُ بين الأديانِ لا إشعال فتيلِ البغضاء جراء اختلاف المعتَقدات، التي من شأنها أن تُمزِّقَ المجتمعاتِ الحاليةَ وتوقعُها في الفوضى.

لم يكن هدفُ وغايةُ حضرة بهاء الله أن يقلِّلَ من شأنِ السلف من الأنبياءِ أو أن يحطَّ من قيمةِ تعاليمهم بل أن يُؤكدَ من جديد الحقائقَ الأصليةَ المكنونة في تلك التعاليمِ و يبينَها بحيث تتفق واحتياجات العصر الذي نعيشُ فيه وتتناسبُ مع قدراتِه وتتلاءمُ مع مشكلاتِه وما يضطرمُ فيه من بلايا واضطراباتِ.

يُقِرُّ الدينُ البهائي بوحدانيةِ الله ووحدانيةِ الرسل، ويعتقدُ بوحدةِ الجنسِ البشري وجامعيتِه وينادي ويُصرِّح بضرورةِ بحتميةِ اتحادِ العالم الإنساني ويُؤكدُ بأنه يقتربُ منه تدريجياً. يعلنُ الدينُ البهائي أن الروحَ الإلهيةَ الخلاقةَ والساريةَ في كلامِ المبعوثِ الرباني هي وحدها التي تستطيعُ أن تضمنَ اتحادَ بني البشر وتحققَه في هذا العصر. فضلا عن ذلك فإن الدينَ البهائي يكلِّفُ أتباعَه الفريضةَ الجوهرية وهي تحري الحقيقةِ بلا قيود ويدينُ جميعَ أنواعِ التعصب والخرافات ويصرِّحُ بأن غرضَ الدينِ هو تعزيزُ السلامِ والتفاهم. يعلنُ الدينُ البهائي أيضاً انسجامَه وتوافقَه الضروري مع العلمِ و يعتبرُه السببَ الأعظمَ لصلحِ العالمِ والتقدمَ المنهجي لمجتمعِ العالمِ البشري.

يدافعُ الدينُ البهائي بصورةٍ قاطعةٍ عن مبدأ المساواةِ بين الرجلِ والمرأةِ في الحقوق والواجباتِ بشكل مطلق، ويُؤكدُ وجوبَ التعليمِ الإجباري ويسعى لإزالة الفقرِ المدقعِ والثروةِ المفرطةِ، كما يلغي المؤسسةَ الكهنوتية، ويحظُرُ الرِّقَ والزهدَ والتقشفَ والتسولَ والرهبنة، والدين البهائي لا يجيزُ تعَدُّدَ الزوجات كما يذمُّ الطلاقَ ، ويؤكدُ ضرورةَ إطاعةِ الفرد التامة للحكومةِ التي ينتمي إليها، كما أنه يمجِّدُ أيَّ عملٍ يؤديه المرءُ بروحِ الخدمةِ ويرفعه إلى مرتبةِ العبــادة، وإضافة على ذلك فإنه يحضُّ على انتخابِ لسانٍ عامٍ دولي أو إبداعِه ويحدِّدُ الخطوطَ العريضةَ للمؤسساتِ التي يتوجبُ عليها أن تضمنَ تحققَ الصلحِ العام للعالمِ الإنساني واستمرارَه.

الدينُ البهائي يدورُ حولَ ثلاثِ شخصياتٍ محوريةٍ عظيمةٍ وبارزة :

أولى تلك الشخصياتِ : هي شابٌ من أهالي شيراز يُدعىٰ سيد علي محمد المعروف بحضرةِ الباب وقد أعلنَ إظهارَ أمرِه في شهر مايو عام 1844م عندما كان في الخامسةِ والعشرين من عمرِه وبأنه هو الرسولُ والمبشِّرُ بظهورِ شخصٍ جليل أعظم منه وفقاً للكتبِ المقدسة للرسالاتِ السابقة وكان ظهورُه ضروريا لتمهيدِ الطريق لظهورِ حضرة بهاء الله الذي سوف تكون رسالتُه بناءً على بشاراتِ تلك الكتبِ المقدسة هي افتتاحُ عصرِ الصلحِ والسلام والعدلِ والتقوى في العالم , عصرٌ سيتحققُ فيه إتمامُ الظهورات السابقةِ وإكمالُها ويبدأُ فيه كورٌ جديدٌ في التاريخِ الديني للعالم الإنساني. اِبتُلي حضرةُ الباب في وطنِه بالظلمِ والجورِ الشديد من قبل رؤساءِ الدين والدولةِ وانتهى بتوقيفِه ونفيه إلى جبالِ آذربايجان وحبسِه في قلعةِ ماكو وچهريق ثم استشهادِه في ميدان تبريز في التاسع من شهر يوليو عام 1850م رمياً بالرصاص ولقد قُتِلَ أكثرُ من عشرين ألفاً من أتباعِه بقساوةٍ ووحشيةٍ هيَّجتْ التعاطفَ الحارَ الممزوج بالإعجاب التام لعددٍ من كتّابِ الغرب والدبلوماسيين والسياحِ والمحققين الذين كانوا من الشهودِ العيان لتلك الانتهاكاتِ والاعتداءات البغيضةِ البشعةِ فتحركتْ مشاعرُهم ودوَّنوا تلك المشاهدَ الفظيعةَ في كتبِهم ومفكراتِهم اليومية .

الشخصية الأخرى : هي ميرزا حسين علي والملقبُ بحضرة بهاء الله وقد كان من أهالي مازنـدران و وعـدَ بظهـورِه حضـرةُ البـاب ( الرسـولُ والمبشـر بظهـورِ حضـرة بهاء الله ). اِبتُلي حضرتُه أيضاً بهجومِ قوى الجهلِ والتعصب نفسِها حيث حُبِس في طهران ثم نُفي في عام 1852م إلى بغداد ومن ثم إلى اسلامبول وأدرنه وأخيراً إلى سجن عكا حيث ظل مسجوناً لمدةٍ لا تقلُ عن أربعَ وعشرين سنة ورحلَ عن هذا العالم في إحـدى الضواحي القريبة من مدينـة عكـا عام 1892م. قـام حضـرةُ بهاء الله خلال فترة نفيه وخاصةً في أدرنه واسطنبول بتشريعِ تعاليمَ وأحكامَ ديانتِه كما قام بتبيين أصولِ دينِه في أكثرَ من مائةَ مجلدٍ وبلّغَ رسالتَه إلى ملوكِ ورؤساءِ الشرقِ والغرب من المسيحيين والمسلمين. فلقد بعثَ خطاباتٍ مهيمنةً إلى البابا وخليفةِ المسلميــن ، رؤساءِ الجمهورية في القارة الأمريكية ومراجعِ الدين المسيحي ورؤساءِ المسلمين شيعة وسنة و كذلك رؤساءِ الدين من الزردشتيين. أعلنَ حضرة بهاء الله ظهورَه في جميع تلك الكتبِ والآثارِ وقامَ بدعوةِ مخاطبيه بأن يستجيبوا لندائِه ويقوموا بترويجِ أمرِه و أنذرهم من عواقبِ غفلتِهم و أحياناً ذمّ  ظلمَهم وتكبرَّهم وغرورَهم.

قام حضرةُ بهاء الله بتعيينِ ابنِه الأكبر عباس أفندي والمعروف بعبد البهاء الوريثُ الشرعي والمبيِّنُ المنصوصُ لتعاليمِه. كان حضرةُ عبد البهاء منذ الطفولةِ شريكا لوالِدِه العظيم في نفيه ومِحَنِه ورزاياه حيث ظل سجيناً حتى عام 1908م. تحرَّرَ حضرة مولى الورى من سجنه بعد انقلابِ ” الشباب الترك” وانقراضِ العثمانيين فتركَ عكا وأنشأَ مقرَ إقامتِه في حيفا ثم بعد فترةٍ وجيزة شرعَ بالسفرِ لمدة ثلاث سنواتٍ إلى مصرَ واوروپا وأمريكا الشمالية وقام بنشرِ تعاليمِ والدِه وأبيه السماوي في تلك الأسفار أمامَ جمهورٍ كبيرٍ من النفوسِ وتنبأَ بقربِ وقوعِ كارثةٍ ومحنةٍ عظيمةٍ  سوف تصيبُ العالمَ الإنساني. رجع حضرتُه إلى موطنِه حيفا عشيةَ الحربِ العالمية الأولى، حيث كان مُعَرَّضاً لخطرٍ مستمر حتى زمن تحرير فلسطين تحت قيـادة الجنـرال اللنبي ( Allenby ) والـذي قــدَّمَ قـصــارى الاحـتـرامِ لحضــرة عبـدالبهاء وإلى العددِ القليلِ من أتباعِه في عكا وحيفا. في عام 1921م رحـلَ حضـرةُ عبد البهاء إلى الرفيقِ الأعلى ودُفِنَ بجوارِ المقامِ الأعلى أي ضريح حضرة الباب الذي شُيِّدُ على جبلِ الكرمل ويضمُ هيكلَه المطهر الذي كان قد نُقِـل سابقــاً من تبريــز إلى ارضِ المقصـود بنـاءً على تعليماتٍ صريحـةٍ من حضــرة بهاء الله وبعد أن تمَّتْ المحافظةُ عليه وإخفاؤه لمدةٍ لا تقل عن ستين عاما.

أنهتْ وفاةُ حضرة عبد البهاء العصرَ الأول للدين البهائي الموسوم بالعصر الرسولي وأعلنتْ بوضوحٍ بدايةَ عصرٍ آخر يسمى بعصرِ التكوين. عصرٌ قُدِّرَ له أن يشهدَ البزوغَ والإشراقَ التدريجي للنظمِ الإداري البهائي , نظمٌ بشَّر بتأسيسِه حضرةُ البـاب  وأنزلَ قوانينَه وقواعدَه حضرةُ بهاء الله ثم رسمَ حضرةُ عبد البهاء حدودَه وكيفيتَه في ألواح وصاياه، وتقوم الآن محافلُ الشورى المركزيةِ والمحليةِ  التي تُنتَخَب من قبل أتباعِ الأمر البهائي بوضعِ أسسِه و قواعدِه.

هذا النظمُ الإداري البهائي خلافا للمؤسساتِ الأخرى في الأديان السابقة والتي وُجِدت بعد رحيلِ رُسلِها وأصحابِها, أساسُه إلهي ويرتكزُ بقوةٍ على حدود ومبادئَ وتعاليمَ ومؤسساتٍ وضعها حضرةُ بهاء الله جليةً و واضحةً, وأنشاها بصورة دقيقةٍ في أثارِه المباركة ، هذا النظامُ يعملُ في إطار الالتزام التام بتبيينات المُبيِّنَيْن المنصوصَيْن للكتبِ المقدسة البهائية. وعلى الرغم من أن النظمَ الإداري البهائي منذ بدءِ تأسيسِه تعرض لهجومٍ شديدٍ من قِبَلِ المخالفين فقد نجحَ بفضلِ طابعِه وذاتيتِه التي لم يكن لها نظيرٌ في تاريخِ الأديانِ العالمية في المحافظةِ على وحدةِ الجامعةِ الواسعةِ الانتشار والمتنوعةِ من أتباعِه الذين هم من أصولٍ وطنيةٍ ودينيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ مختلفةٍ فمكّنتهم مجتمعين وبمنهجية من وضع خططٍ  تهدف إلى توطيدِ مؤسساتِه الإدارية, وذلك من أجل الترويج للدينِ البهائي ونشره في شرقِ العالمِ وغربِه.

  تجدر الإشارةُ إلى أن الدينَ البهائي الذي يخدمُه النظمُ البديع ويصونُه ويعزِّزُ من شأنِه هو دينٌ سماوي وعالمي في الدرجةِ الأولى وغيرُ سياسي أو حزبي ومخالفٌ تماماً لأي مرامٍ أو سياسةٍ تسعى إلى تمجيدِ عرقٍ أو طبقةٍ أو وطن. لايوجدُ في الدينِ البهائي أيَّ صيغةٍ أو شكلٍ من أشكالِ رجالِ الدين والطبقةِ الروحانية كما أنه غيرُ مقيدٍ بأي من الطبقاتِ الكهنوتيةِ أو الطقوسِ والشعائرِ التقليدية. يقومُ الدينُ البهائي بالوفاء باحتياجاتِه المادية حصرياً عن طريقِ التبرعاتِ من أتباعِه المؤمنين. وعلى الرغم من أن البهائيين مخلصون مطيعون لحكوماتِهم وقلوبهم مفعمة بعاطفةِ الحبِ لأوطانِهم ، توَّاقون لتحقيقِ مصالحِ دولتِهم إلا أنهم في الوقت نفسِه يرون العالمَ الإنساني  كجامعةٍ واحدة وينظرون بجديةٍ لمصالحِه العامةِ ولا يترددون في أن يُخضِعوا كلَّ مصلحةٍ خاصةٍ سواء كانت شخصيةً أم إقليميةً أم قوميةً لمصلحةِ العالمِ الإنساني عموماً مدركين تماماً بأنه في عالمٍ متضامنٍ ومتكاتفٍ من حيث الشعوبِ والأممِ من الأفضلِ أن يتمَّ التوصلُ إلى مصلحةِ الجزء عن طريق حفظِ مصلحةِ الكل ورعايتِها كما لا يمكنُ تحقيقُ منفعةٍ دائمةٍ وثابتة لأي جزء من الأجزاء المكونة لهيئةِ العالمِ الإنساني إذا أُهمِلَتْ المنفعةُ العامةُ برمَّتِها. (شوقي أفندي)

 

المواقع البهائية

http://www.alaqdas.org/

http://reference.bahai.org/ar

http://info.bahai.org/arabic

http://bci.org/islam-bahai/arabic/

http://www.bahai.com/arabic/

http://www.almunajat.com/

http://www.bahaullah.org/

http://www.nabaazeem.com/

http://media.bahai.org/

http://albahaiyah.global-     et.com/arabic/isr_ar.htm

 

قناة نافذة على البهائية

http://bahainafeza.wordpress.com/

 

موقع التعريف بالدين البهائي-يوتيوب

http://www.youtube.com/KolnaAhl

 

 

 

 

صدر الآن 7/8/2022 مقالي “


(5-6) نداء للعالم الإنساني

(5-6) نداء للعالم الإنساني
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=764677

صدر الآن 23/7/2022 مقالي “


The Promised Day Has Come (4) جاء اليوم الموعود

The Promised Day Has Come (4) جاء اليوم الموعود

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=763137

صدر الآن 23/7/2022 مقالي”


نداء للعالم الإنساني (4-6)

نداء للعالم الإنساني (4-6)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=763161

صدر الآن 17/7 2022 مقالي “


جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (3)

جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (3)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=762550

صدر الآن 17/7 مقالي “نداء للعالم الإنساني (3-6)”


نداء للعالم الإنساني (3-6)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=762542

صدر الآن 5/7/2022 مقالي “الفداء والتضحية في الأديان عبر الأزمان”


الفداء والتضحية في الأديان عبر الأزمان

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=761315

صدر الآن 3/7/2022 مقالي ” نداء للعالم الإنساني – (2) “


نداء للعالم الإنساني – (2)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=761121

صدر الآن 3/7/2022 مقالي “


جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (2)

جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (2)
https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=761115

صدر الآن 26/6/2022 مقالي “جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (1)”


جاء اليوم الموعود The Promised Day Has Come (1)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=760453

صدر الآن 25/6/2022 مقالي “نداء للعالم الإنساني (1)”


نداء للعالم الإنساني (1)

https://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=760355