نداء لأهل العالم (1)


نداء لأهل العالم

يعتقد البهائيون اعتقادا راسخا بأن جوهرَ التعاليمِ التي أعلنها حضرة بهاءالله للعالمِ هو أن الحقائقَ الدينية أمرٌ نسبي و ليس مطلقاً والظهوراتِ الإلهية هي عمليةٌ مستمرةٌ ومتجددة. إن جميعَ الأديان الكبرى في العالم أساسُها إلهي ، وأن جميعَ مبادئِها و أصولِها متوافقةٌ بالكامل، آمالُها ومقاصدُها واحدة، تعاليمُها هي تجلياتٌ متنوعة لحقيقةٍ واحدة، و وظائفُها وأدوارُها متممةٌ بعضُها بعضاً. تختلفُ الأديانُ وتتباينُ فقط في الجوانبِ غير الجوهرية (التعاليم الفرعية) لمبادئِها، فرسالةُ كلٍ منها تُمَثَلُ مرحلةً من المراحلِ المتتابعةَ في تكاملِ المجتمعِ الإنساني.

إن هدفَ حضرة بهاء الله رسولِ هذا العصرِ الجديد والعظيم للعالمِ الإنساني  ……  ليس طمس أو تشويه الظهوراتِ السابقة بل إتمامَها وإكمالَها وتحقيق التصالحُ بين الأديانِ لا إشعال فتيلِ البغضاء جراء اختلاف المعتَقدات، التي من شأنها أن تُمزِّقَ المجتمعاتِ الحاليةَ وتوقعُها في الفوضى.

لم يكن هدفُ وغايةُ حضرة بهاء الله أن يقلِّلَ من شأنِ السلف من الأنبياءِ أو أن يحطَّ من قيمةِ تعاليمهم بل أن يُؤكدَ من جديد الحقائقَ الأصليةَ المكنونة في تلك التعاليمِ و يبينَها بحيث تتفق واحتياجات العصر الذي نعيشُ فيه وتتناسبُ مع قدراتِه وتتلاءمُ مع مشكلاتِه وما يضطرمُ فيه من بلايا واضطراباتِ.

يُقِرُّ الدينُ البهائي بوحدانيةِ الله ووحدانيةِ الرسل، ويعتقدُ بوحدةِ الجنسِ البشري وجامعيتِه وينادي ويُصرِّح بضرورةِ بحتميةِ اتحادِ العالم الإنساني ويُؤكدُ بأنه يقتربُ منه تدريجياً. يعلنُ الدينُ البهائي أن الروحَ الإلهيةَ الخلاقةَ والساريةَ في كلامِ المبعوثِ الرباني هي وحدها التي تستطيعُ أن تضمنَ اتحادَ بني البشر وتحققَه في هذا العصر. فضلا عن ذلك فإن الدينَ البهائي يكلِّفُ أتباعَه الفريضةَ الجوهرية وهي تحري الحقيقةِ بلا قيود ويدينُ جميعَ أنواعِ التعصب والخرافات ويصرِّحُ بأن غرضَ الدينِ هو تعزيزُ السلامِ والتفاهم. يعلنُ الدينُ البهائي أيضاً انسجامَه وتوافقَه الضروري مع العلمِ و يعتبرُه السببَ الأعظمَ لصلحِ العالمِ والتقدمَ المنهجي لمجتمعِ العالمِ البشري.

يدافعُ الدينُ البهائي بصورةٍ قاطعةٍ عن مبدأ المساواةِ بين الرجلِ والمرأةِ في الحقوق والواجباتِ بشكل مطلق، ويُؤكدُ وجوبَ التعليمِ الإجباري ويسعى لإزالة الفقرِ المدقعِ والثروةِ المفرطةِ، كما يلغي المؤسسةَ الكهنوتية، ويحظُرُ الرِّقَ والزهدَ والتقشفَ والتسولَ والرهبنة، والدين البهائي لا يجيزُ تعَدُّدَ الزوجات كما يذمُّ الطلاقَ ، ويؤكدُ ضرورةَ إطاعةِ الفرد التامة للحكومةِ التي ينتمي إليها، كما أنه يمجِّدُ أيَّ عملٍ يؤديه المرءُ بروحِ الخدمةِ ويرفعه إلى مرتبةِ العبــادة، وإضافة على ذلك فإنه يحضُّ على انتخابِ لسانٍ عامٍ دولي أو إبداعِه ويحدِّدُ الخطوطَ العريضةَ للمؤسساتِ التي يتوجبُ عليها أن تضمنَ تحققَ الصلحِ العام للعالمِ الإنساني واستمرارَه.

الدينُ البهائي يدورُ حولَ ثلاثِ شخصياتٍ محوريةٍ عظيمةٍ وبارزة :

أولى تلك الشخصياتِ : هي شابٌ من أهالي شيراز يُدعىٰ سيد علي محمد المعروف بحضرةِ الباب وقد أعلنَ إظهارَ أمرِه في شهر مايو عام 1844م عندما كان في الخامسةِ والعشرين من عمرِه وبأنه هو الرسولُ والمبشِّرُ بظهورِ شخصٍ جليل أعظم منه وفقاً للكتبِ المقدسة للرسالاتِ السابقة وكان ظهورُه ضروريا لتمهيدِ الطريق لظهورِ حضرة بهاء الله الذي سوف تكون رسالتُه بناءً على بشاراتِ تلك الكتبِ المقدسة هي افتتاحُ عصرِ الصلحِ والسلام والعدلِ والتقوى في العالم , عصرٌ سيتحققُ فيه إتمامُ الظهورات السابقةِ وإكمالُها ويبدأُ فيه كورٌ جديدٌ في التاريخِ الديني للعالم الإنساني. اِبتُلي حضرةُ الباب في وطنِه بالظلمِ والجورِ الشديد من قبل رؤساءِ الدين والدولةِ وانتهى بتوقيفِه ونفيه إلى جبالِ آذربايجان وحبسِه في قلعةِ ماكو وچهريق ثم استشهادِه في ميدان تبريز في التاسع من شهر يوليو عام 1850م رمياً بالرصاص ولقد قُتِلَ أكثرُ من عشرين ألفاً من أتباعِه بقساوةٍ ووحشيةٍ هيَّجتْ التعاطفَ الحارَ الممزوج بالإعجاب التام لعددٍ من كتّابِ الغرب والدبلوماسيين والسياحِ والمحققين الذين كانوا من الشهودِ العيان لتلك الانتهاكاتِ والاعتداءات البغيضةِ البشعةِ فتحركتْ مشاعرُهم ودوَّنوا تلك المشاهدَ الفظيعةَ في كتبِهم ومفكراتِهم اليومية .

الشخصية الأخرى : هي ميرزا حسين علي والملقبُ بحضرة بهاء الله وقد كان من أهالي مازنـدران و وعـدَ بظهـورِه حضـرةُ البـاب ( الرسـولُ والمبشـر بظهـورِ حضـرة بهاء الله ). اِبتُلي حضرتُه أيضاً بهجومِ قوى الجهلِ والتعصب نفسِها حيث حُبِس في طهران ثم نُفي في عام 1852م إلى بغداد ومن ثم إلى اسلامبول وأدرنه وأخيراً إلى سجن عكا حيث ظل مسجوناً لمدةٍ لا تقلُ عن أربعَ وعشرين سنة ورحلَ عن هذا العالم في إحـدى الضواحي القريبة من مدينـة عكـا عام 1892م. قـام حضـرةُ بهاء الله خلال فترة نفيه وخاصةً في أدرنه واسطنبول بتشريعِ تعاليمَ وأحكامَ ديانتِه كما قام بتبيين أصولِ دينِه في أكثرَ من مائةَ مجلدٍ وبلّغَ رسالتَه إلى ملوكِ ورؤساءِ الشرقِ والغرب من المسيحيين والمسلمين. فلقد بعثَ خطاباتٍ مهيمنةً إلى البابا وخليفةِ المسلميــن ، رؤساءِ الجمهورية في القارة الأمريكية ومراجعِ الدين المسيحي ورؤساءِ المسلمين شيعة وسنة و كذلك رؤساءِ الدين من الزردشتيين. أعلنَ حضرة بهاء الله ظهورَه في جميع تلك الكتبِ والآثارِ وقامَ بدعوةِ مخاطبيه بأن يستجيبوا لندائِه ويقوموا بترويجِ أمرِه و أنذرهم من عواقبِ غفلتِهم و أحياناً ذمّ  ظلمَهم وتكبرَّهم وغرورَهم.

قام حضرةُ بهاء الله بتعيينِ ابنِه الأكبر عباس أفندي والمعروف بعبد البهاء الوريثُ الشرعي والمبيِّنُ المنصوصُ لتعاليمِه. كان حضرةُ عبد البهاء منذ الطفولةِ شريكا لوالِدِه العظيم في نفيه ومِحَنِه ورزاياه حيث ظل سجيناً حتى عام 1908م. تحرَّرَ حضرة مولى الورى من سجنه بعد انقلابِ ” الشباب الترك” وانقراضِ العثمانيين فتركَ عكا وأنشأَ مقرَ إقامتِه في حيفا ثم بعد فترةٍ وجيزة شرعَ بالسفرِ لمدة ثلاث سنواتٍ إلى مصرَ واوروپا وأمريكا الشمالية وقام بنشرِ تعاليمِ والدِه وأبيه السماوي في تلك الأسفار أمامَ جمهورٍ كبيرٍ من النفوسِ وتنبأَ بقربِ وقوعِ كارثةٍ ومحنةٍ عظيمةٍ  سوف تصيبُ العالمَ الإنساني. رجع حضرتُه إلى موطنِه حيفا عشيةَ الحربِ العالمية الأولى، حيث كان مُعَرَّضاً لخطرٍ مستمر حتى زمن تحرير فلسطين تحت قيـادة الجنـرال اللنبي ( Allenby ) والـذي قــدَّمَ قـصــارى الاحـتـرامِ لحضــرة عبـدالبهاء وإلى العددِ القليلِ من أتباعِه في عكا وحيفا. في عام 1921م رحـلَ حضـرةُ عبد البهاء إلى الرفيقِ الأعلى ودُفِنَ بجوارِ المقامِ الأعلى أي ضريح حضرة الباب الذي شُيِّدُ على جبلِ الكرمل ويضمُ هيكلَه المطهر الذي كان قد نُقِـل سابقــاً من تبريــز إلى ارضِ المقصـود بنـاءً على تعليماتٍ صريحـةٍ من حضــرة بهاء الله وبعد أن تمَّتْ المحافظةُ عليه وإخفاؤه لمدةٍ لا تقل عن ستين عاما.

أنهتْ وفاةُ حضرة عبد البهاء العصرَ الأول للدين البهائي الموسوم بالعصر الرسولي وأعلنتْ بوضوحٍ بدايةَ عصرٍ آخر يسمى بعصرِ التكوين. عصرٌ قُدِّرَ له أن يشهدَ البزوغَ والإشراقَ التدريجي للنظمِ الإداري البهائي , نظمٌ بشَّر بتأسيسِه حضرةُ البـاب  وأنزلَ قوانينَه وقواعدَه حضرةُ بهاء الله ثم رسمَ حضرةُ عبد البهاء حدودَه وكيفيتَه في ألواح وصاياه، وتقوم الآن محافلُ الشورى المركزيةِ والمحليةِ  التي تُنتَخَب من قبل أتباعِ الأمر البهائي بوضعِ أسسِه و قواعدِه.

هذا النظمُ الإداري البهائي خلافا للمؤسساتِ الأخرى في الأديان السابقة والتي وُجِدت بعد رحيلِ رُسلِها وأصحابِها, أساسُه إلهي ويرتكزُ بقوةٍ على حدود ومبادئَ وتعاليمَ ومؤسساتٍ وضعها حضرةُ بهاء الله جليةً و واضحةً, وأنشاها بصورة دقيقةٍ في أثارِه المباركة ، هذا النظامُ يعملُ في إطار الالتزام التام بتبيينات المُبيِّنَيْن المنصوصَيْن للكتبِ المقدسة البهائية. وعلى الرغم من أن النظمَ الإداري البهائي منذ بدءِ تأسيسِه تعرض لهجومٍ شديدٍ من قِبَلِ المخالفين فقد نجحَ بفضلِ طابعِه وذاتيتِه التي لم يكن لها نظيرٌ في تاريخِ الأديانِ العالمية في المحافظةِ على وحدةِ الجامعةِ الواسعةِ الانتشار والمتنوعةِ من أتباعِه الذين هم من أصولٍ وطنيةٍ ودينيةٍ ومذهبيةٍ وعرقيةٍ مختلفةٍ فمكّنتهم مجتمعين وبمنهجية من وضع خططٍ  تهدف إلى توطيدِ مؤسساتِه الإدارية, وذلك من أجل الترويج للدينِ البهائي ونشره في شرقِ العالمِ وغربِه.

  تجدر الإشارةُ إلى أن الدينَ البهائي الذي يخدمُه النظمُ البديع ويصونُه ويعزِّزُ من شأنِه هو دينٌ سماوي وعالمي في الدرجةِ الأولى وغيرُ سياسي أو حزبي ومخالفٌ تماماً لأي مرامٍ أو سياسةٍ تسعى إلى تمجيدِ عرقٍ أو طبقةٍ أو وطن. لايوجدُ في الدينِ البهائي أيَّ صيغةٍ أو شكلٍ من أشكالِ رجالِ الدين والطبقةِ الروحانية كما أنه غيرُ مقيدٍ بأي من الطبقاتِ الكهنوتيةِ أو الطقوسِ والشعائرِ التقليدية. يقومُ الدينُ البهائي بالوفاء باحتياجاتِه المادية حصرياً عن طريقِ التبرعاتِ من أتباعِه المؤمنين. وعلى الرغم من أن البهائيين مخلصون مطيعون لحكوماتِهم وقلوبهم مفعمة بعاطفةِ الحبِ لأوطانِهم ، توَّاقون لتحقيقِ مصالحِ دولتِهم إلا أنهم في الوقت نفسِه يرون العالمَ الإنساني  كجامعةٍ واحدة وينظرون بجديةٍ لمصالحِه العامةِ ولا يترددون في أن يُخضِعوا كلَّ مصلحةٍ خاصةٍ سواء كانت شخصيةً أم إقليميةً أم قوميةً لمصلحةِ العالمِ الإنساني عموماً مدركين تماماً بأنه في عالمٍ متضامنٍ ومتكاتفٍ من حيث الشعوبِ والأممِ من الأفضلِ أن يتمَّ التوصلُ إلى مصلحةِ الجزء عن طريق حفظِ مصلحةِ الكل ورعايتِها كما لا يمكنُ تحقيقُ منفعةٍ دائمةٍ وثابتة لأي جزء من الأجزاء المكونة لهيئةِ العالمِ الإنساني إذا أُهمِلَتْ المنفعةُ العامةُ برمَّتِها. (شوقي أفندي)

 

المواقع البهائية

http://www.alaqdas.org/

http://reference.bahai.org/ar

http://info.bahai.org/arabic

http://bci.org/islam-bahai/arabic/

http://www.bahai.com/arabic/

http://www.almunajat.com/

http://www.bahaullah.org/

http://www.nabaazeem.com/

http://media.bahai.org/

http://albahaiyah.global-     et.com/arabic/isr_ar.htm

 

قناة نافذة على البهائية

http://bahainafeza.wordpress.com/

 

موقع التعريف بالدين البهائي-يوتيوب

http://www.youtube.com/KolnaAhl

 

 

 

 

Advertisements

صدر لي الآن 23/9/2017 مقالي “بهاءالله -إعْلان حَدِيقَة الرّضْوَان (4)”


بهاءالله -إعْلان حَدِيقَة الرّضْوَان (4) 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=573162

 

صدر لي اليوم 17/9/2017 مقالي “الروح ج1”


الروح – ج1.. للكاتبة راندا الحمامصي #مصر
http://elsada.net/59014/

صدر لي الآن 16/9/2017 مقالي “بهاءالله- مَوْلِدُ الظّهُورِ الجَدِيد (2)”


 بهاءالله- مَوْلِدُ الظّهُورِ الجَدِيد (2) 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=572359

صدر لي الآن 13/9/2017 مقالي ” تبيان وبرهان (7)- فتنة القبر


تبيان وبرهان (7)-فتنة القبر 

https://thedayunique.blogspot.com.eg/2017/09/7.html

 (نداء لأهل العالم (2


مصائب العالم الإنساني

يجتاحُ العالمَ في هذه الآونة *ٰ طوفانٌ جارفٌ لا مثيل له في شدتِه وقسوته , مسيرُه لا يمكنُ التنبؤُ به ، تأثيراتُه الفوريةُ كارثيةٌ ومأساوية أما نتائجُه النهائية فهي في غايةِ الجلالِ و الضياء، القوةَ التي تحركُه تزيدُ من توسعِه وسرعتِه بلا رحمةٍ والقوةُ التطهيريةُ الكامنةُ فيه تشتدُ يوما بعد يوم، وقد ابتُلِي العالمُ الإنساني الأسيرُ في قبضةِ قدرتِه المخربة بمظاهرِ قهره التي لا تُقَاوَم. إنه لا يُدرِكُ مبدأه ومنشأه ولا علمَ له بنتائجِه لذلك يراقبُ هذا الصرصرَ العاتي وهو يغزو أكثرَ بقاعِ الكرةِ الأرضية عمرانا بذهولٍ وحيرة لقد زلزلَ هذا الطوفان بنيانَ هذه البسيطةِ فأربكَ توازنها , وشتتَ مللَها وبدّدَ ممتلكاتِ أهلِها وخرّبَ مدنَها ، أجبرَ ملوكَها على الجلاءِ عن أوطانِهم، هَدَمَ قلاعَها المحصنةَ  وقلبَ مؤسساتِها رأساً على عقب وقد أخمد نورَها و جرحَ روحَ سكانِها وعذَّبَها…..

 هذه المظاهرُ العنيفةُ لهذا الانقلابِ العظيم لا يدركُـه إلا أولئـك الذين آمنوا بديانــةِ حضرة بهاء الله وحضرة الباب، هؤلاء هم الذين يعرفون جيدا من أين يأتي ذلك الطوفان و إلى أين ينتهي. وعلى الرغم من أنهم يجهلون مداه وحجمه فإنهم يعلمون بوضوحٍ تام مبدأه ومنتهاه ويعرفون مسيرَه ويعترفون بضرورتِه, يراقبون تطوراتِ عملياتِه الغامضةِ باعتمادٍ كامل ويدعُون بحرارةٍ ساعين للتخفيفِ من شدته منتظرين في تسكين غضبِه ببصيرة وذكاء ويترقبون برؤيتِهم النورانيةِ الذكيةِ النتائجَ النهائيةَ للخوفِ والأملِ الذي يجبُ أن ينشأ ويحدُثَ بالضرورة من جراء ذلك الإنقلاب العظيم.

 هذا القرارُ والحكمُ الإلهي ـــ كما يراه أولئك الذين يقرّون بأن بياناتِ حضرة بهاء الله هي من عندِ الله وأنه أعظمُ مظهر الهي على بسيطِ الغبراء ــ هو في حد ذاتِه فاجعةُ وكارثةٌ عقابية وجزائية وفي الوقت نفسِه تأديبٌ قدسي وسام، إنه عذابٌ وعقابٌ سماوي و وسيلةٌ لتطهيرِ العالم الإنساني، ولهيبُه المشتعلُ يعاقِبُ ضلالَ الجنسِ البشري وانحرافَه ويُصْهِرُ أجزاءَه ليخلِقَ مجتمعاً عالمياً نابضاً بالحياةِ لا يقبلُ التجزئة…..

 من جانبٍ آخر يُنذِر حضرةُ بهاء الله بقوله الجليل :

” أن ارتقبوا يا قومُ أيامَ العدلِ وإنها أتتْ بالحق ”

” دعوا ما عندَكم وخذوا ما أتى به اللهُ مالكُ الرقاب. اعلموا علمَ اليقين بأنكم إن لم تعودوا عما ارتكبتموه من أعمالِ سوف يحيطكم العذابُ الأليم من جميعِ الجهات ذلك الذي لم تروا له نظيراً ” ( ترجمة)

 ” إنا قد جعلنا ميقاتاً لكم فإذا تمّت الميقاتُ وما أقبلتم إلى الله ليأخذنَّكم عن كلِّ الجهات ويرسلُ عليكم نفحاتِ العذاب عن كلِّ الأشطار”

 يتنبأُ حضرة بهاء الله من ناحيةٍ أخرى مستقبلاً مشرقاً ومضيئاً لعالمٍ محاطٍ بالظلام فيتفضل حضرتُه مؤكداً بما مضمونه :

 ” يُرى العالمُ حبلى ومن السابق لأوانِه أن نرى الأثمارَ المنيعةَ والأشجارَ الباسقةَ والأورادَ المحبوبة والنعماء الجنية ” (ترجمة)

 ” سوف تضعُ كلُّ ذي حملٍ حملَها تبارك اللهُ مرسِلُ هذا الفضلَ الذي أحاطَ الأشياءَ كلَّها عما ظهرَ وعمّا هو المكنون ”

وفي التنبؤ عن العصرِ الذهبي للعالمِ الإنساني يتفضل :

 “هذه المظالمُ أصابَتْ العالمَ لتهيّئَه لمجيء العدلِ الإلهي الأعظم.” 4

 هذا العدلُ الأعظمُ هو حقا العدلُ الذي سوف يستقرُ في نهايةِ المطافِ على أساسِه الصلحُ الأعظمُ , وهذا الصلحُ بدورِه سوف يُعلِنُ ويُبَشِّرُ بظهورِ المدنيةِ العالمية، مدنيةٌ منسوبةٌ إلى الاسمِ الأعظم وهو حضرة بهاء الله .

 لقد مضى من ظهورِ حضرة بهاء الله مائةُ سنةٍ تقريباً، ظهورٌ شهد له حضرتُه بالتالي:

 ” لم يُدرِكْ أحدٌ من المظاهرُ المقدسةُ (الرسل) السابقين كيفيةَ هذا الظهورِ بتمامِه إلا على قدرٍ مقدور” (ترجمة)

 أمهلَ اللهُ البشريةَ قرناً كاملاً لكي يعرفوا المظهرَ الإلهي لهذا الظهورِ العظيم ويعتنقوا أمرَه ويُعلنوا عظمتَه ويقوموا باستحكامِ دعائمِ نظمِه.

أعلن حضرة بهاء الله حاملُ هذه الرسالةِ السماوية رسالتَه بطريقةٍ لم يَعْلِنْ بها أيٌ من الأنبياءِ السابقين دعوتَهم وذلك ضمنَ مائةِ مجلدٍ من الكتبِ التي هي ثروة للمبادئ والأحكامِ النفيسةِ والقوانينِ الرفيعةِ المستوى والأصولِ الفريدةِ والنصائحِ المؤثرةِ والإنذاراتِ المكررة والنبوءاتِ المثيرةِ للدهشةِ والأدعيةِ الساميةِ الجليلة الباعثةِ على الانجذاب الروحي والتفاسيرِ الجامعةِ المتينة. خاطب حضرتُه في مدةٍ تقاربُ الخمسين عاما وتحت ظروفٍ وأوضاعٍ محزنةٍ ومؤلمة أصحابَ الإمبراطورياتِ والملوكَ والسلاطين والأمراءَ والزعماءَ والدولَ ورؤساءَ الأديانِ والناسَ عامةً في شرقِ العالم وغربِه من مسيحيين و يهود ومسلمين وزردشت بهذه اللئالئ القيمةِ والدررِ الثمينةِ من العلومِ والمعارف والحِكَمِ التي تكمن في بحرِ بياناتِه الفريدةِ الجليلة. تخلى حضرة بهاء الله المظهرُ الإلهي على هذه البسيطة عن كلِّ اسمٍ وشهرةٍ وثروة ، رضي  بالحبسِ والنفي ، تحمل الطعنَ و الإهانةَ وأذعنَ للتعذيبِ الجسماني والحرمانِ القاسي والظالم ، عانى النفي والإبعاد من ديارٍ إلى ديار ومن بلدٍ إلى بلد …. وقد شهِد بقلمه على ذلك :

 “إننا لم نقصِّر في نصحنا للخلق وبلّغنا ما أمرَنا الله به سبحانه وتعالى ، لو استمعَ الخلقُ بأُذنِ القبول لشاهدوا العالمَ عالماً آخر”(ترجمة)

 وفي مقام آخر يتفضل :

 ” هل بقى لأحدِ في هذا الظهور من عذرٍ لا وربِّ العرشِ العظيم قد أحاطت الآياتُ كلَّ الجهات و القدرةُ كلَّ البريةِ ولكنَّ الناسَ في رقدٍ عجيب”

  يجب أن نسألَ أنفسَنا كيف جازت البشريةُ، والتي هي غايةُ تلك العنايةِ الإلهية، ذلك الذي فدى نفسُه من أجلِها ؟ ما هو أسلوب الترحيبِ الذي قابلته به؟ وما هي الاستجابةُ التي أثارتْها دعوتُه ؟ استُقبِلَ هذا الأمرُ وهذا النورُ الإلهي المولودُ في موطنِه بتذمرٍ غاضب وفريدٍ من نوعه في تاريخِ شيعةِ الإسلام….لقد أشعلَ الاضطهادُ والظلمُ شجاعةً وبسالةً لا نظيرَ لهما ــ حسب ما بيّنه لورد كرزن الراحل وهو من الشخصياتِ البارزة ــ فأودى بحياةَ زهاءَ عشرين ألفاً من أتباعِ هذا الأمرِ الجديد في مدةٍ وجيزةٍ لأنهم رفضوا أن يقايضوا إيمانَهم الحـديثَ العهدِ بالعـزةِ والازدهارِ الزائـلين وبالأمنِ والأمانِ في هذا العالمِ الفانـي …..   

إن عدمَ المبالاةِ التامةِ من أصحابِ المناصب و ذوي المقاماتِ الرفيعة والضغينةَ والبغضَ الصارم الذي أبداه الروحانيون رفيعو المقام والتهكمُ والسخريةُ من قبلِ الناس الذين ظهر بينهم هذا الأمرُ العظيم والازدراءَ لهذا الدين الذي أبداه أغلبُ السلاطين والرؤساء الذين كانوا موضعَ خطابِ مؤسسِه، الاستنكارُ والإدانةُ الصريحة ، التهديداتُ الملقاة والنفي والإبعاد الذي حكم به هؤلاء الذين تجلى وانتشرَ هذا الدينُ لأول مرةٍ في البلاد التي هي تحت سيطرتِهم والتحريفُ الذي استهدفَ أصولَ دينِه وأحكامِه من قبل هؤلاء الحاسدين الحاقدين في بلادِ وأقطار وبين شعوبٍ تبعدُ من موطنِ نشأتِه وظهورِه ، كلُّ ذلك شواهدٌ على الأعمالِ التي مارسَها ذلك النسلُ الغارقُ في الأنانيةِ ، اللا مبالي بربِه والغافلُ عن الإنذارات والنبوءات والعظاتِ والنصائحِ  والتحذيرات المُنزََلَةِ من رسلِه…

لنرى ماذا حدث، وما زال يحدثُ، لأهلِ العالمِ نتيجة هذا الرفضٍ التام والفاضح المهين في غضونِ القرنِ الأول البهائي وخاصةً أثناء السنينِ الأخيرةِ منه والذي كان  مشحوناً بمعاناةٍ شديدة وانتهاكاتٍ واعتداءاتٍ عنيفةٍ وقاسيةٍ على دينِ حضرة بهاء الله المضطَهَد. كم من إمبراطورياتٍ انهارتْ وممالكَ دُمِرَت وسلالاتٍ انقرضت , الأمراءُ تلطخت سمعتُهم والملوكُ قُتِلوا , سُمِّموا ،اُبعِدوا وطُردوا وقُهِروا وكُسِرت شوكتُهم في ديارِهم، والقلةُ المتبقية من الأرائكِ والأسرَّةِ الملكيةِ أصبحت ترتجفُ من تداعياتِ سقوطِ رفاقِهم من الملوك…… مما لاشك فيه بأن أي متأملٍ بنزاهةٍ وإنصاف  في آثارِ مسيرةِ التمردِ والجموحِ في هذا الوقت القصير نسبياً، لا يسعه إلا الاقرار بأن المئةَ سنةَ الماضية يمكن أن تُعَدْ بالنسبةِ لتدهورِ ثرواتِ الملوك وسلطانهم واحدةً من أكثرِ أدوارِ التاريخ البشري كارثيةً ومأساويةً.

 إن التدهورَ والانحطاطَ الذي حلَّ بثرواتِ أصحاب التيجان ذوي النفوذ والسلطةِ الزائلةِ لم يكن أقلَ من عاقبةِ الانحطاط المروِّع في ممارسةِ الزعماءِ الروحانيين لنفوذِهم في العالم, فالوقائعُ الهائلةُ والتي أسفرتْ عن فَناءِ الكثير من الممالكِ والإمبراطورياتِ كانت متزامنةً مع انهيارِ القلاعِ المستحكمة للمؤسساتِ الدينية المتعصبةِ. إن ذلك السيلَ الصارمَ الذي قررَ هلاكَ الملوكِ والأباطرة بصورةٍ مأساوية وعلى وجهِ السرعةِ, وأطاحَ بسلالاتِهم الحاكمة كان سببا في ابتلاءِ رؤساء الأديان أي زعماءِ كلٍّ من المسيحيةِ والإسلام فانتُقصِت هيبتُهم, وفي بعضِ الحالات أُطيح بمؤسساتِهم الرفيعةِ وسُلِبَت العزةُ من طائفتين هما الأمراءُ والعلماء وأظلمَ مجدُ الملوك وذهبت قدرةُ علماء الدين.

لقد أصبح تضامنُ بعضِ المؤسساتِ الدينيةِ متزعزعاً على نحوٍ يتعذر تغييرُه, وغدا ذلك واضحاً وجلياً بحيث لا يسع لأي مراقبٍ ذكي أن يتجاهلَه أو يُخطِئَ فهمَه والصدعُ الذي نشأ بين الأصوليين والمطالبين بحريةِ الأديان ازدادَ اتساعاً مما أدى إلى ضعفِ عقائدِهم ومبادئِهم وفي حالاتٍ معينة أُهمِلت تلك الأصولُ أو تُرِكتْ ونُبِذتْ. وهنت قبضة المؤسساتِ الدينية على سلوكِ وتصرفات الأفرادِ وتضاءل عددُ الروحانيين وخفَّ نفوذُهم فيها، وفي العديدِ من الحالاتِ افتُضِحَ جبنُ الشيوخِ والوعّاظ ونفاقُهم ورياؤهم.  توارتْ واختفتْ أوقافُهم في اغلبِ الدولِ وانحطَّت قوةُ تدريبِهم وتأهيلِهم الديني وهُجِرَتْ بعضُ معابدِهم والبعضُ الآخر دُمِّر وهُدِم. لقد كان غفلتُهم عن اللهِ وتعاليمِه وعدمُ علمِهم بالمقصدِ الإلهي وغايتِه سبباً في ضعفِهم فانهالَ عليهم الذلُ والهوان.

 إن التدنّي في عالمِ الأخلاق كما هو واضحٌ وجلي لا يقلُ أهميةً عن الفسادِ والانحطاطِ في المؤسساتِ الدينية، وإذا أمعنا النظرَ في أقوالِ الجيل الحالي وأفعالِهم ولو بصورةٍ خاطفةٍ فإنه لا يسعُنا إلا أن نعبِّرَ عن دهشتِنا وحيرتِنا من مظاهرِ الفسادِ والانحطاطِ الأخلاقي المستشرية على المستويين الفردي والاجتماعي من كلا الجنسين الذكور والإناث.

 ليس هناك أدنى شكٍ بأن ضعف سلطة الدينِ الذي هو عنوانُ القوةِ الاجتماعيةِ أعقبه ضعفُ المؤسساتِ الدينية والذي يُعَدُ المظهرَ الخارجي للدين مما كان مدعاةً لانتشارالفسادِ والشرِّ المهلك. يتفضل حضرة بهاء الله واصفاً الدين :

 ”  إِذ هُوَ السَّبَبُ الأَعْظَمُ لِنَظْمِ الْعَالَمِ وَاطْمِئْنَانِ مَنْ فِي الإِمْكَانِ.  فَإِنَّ ضَعْفَ أَرْكَانِ الدِّينِ صَارَ سَبَبَاً لِقُوَّةِ الْجُهَّالِ وَجُرْأَتِهِمْ وَجَسَارَتِهِمْ. حَقَّاً أَقُولُ إِنَّ مَا نَقَصَ مِنْ عُلُوِّ مَقَامِ الدِّينِ يَزْدَادُ مِنْ غَفْلَةِ الأَشْرَارِ وَيَؤُولُ الأَمْرُ أَخِيرَاً إِلَى الْهَرْجِ وَالْمَرْجِ.” 5

ويتفضل في لوح آخر:

 ” إِنَّ الدِّينَ هُوَ النُّورُ الْمُبِينُ وَالْحِصْنُ الْمَتِينُ لِحِفْظِ أَهْلِ الْعَالَمِ وَرَاحَتِهِم إِذْ إِنَّ خَشْيَةَ اللهِ تَأْمُرُ النَّاسَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَاهُم عَنِ الْمُنْكَرِ فَلَوْ احْتَجَبَ سِرَاجُ الدِّينِ لَتَطَرَّقَ الْهَرْجُ وَالْمَرْجُ وَامْتَنَعَ نَيِّرُ الْعَدْلِ وَالإِنْصَافِ عَنِ الإِشْرَاقِ وَشَمْسُ الأَمْنِ وَالاطْمِئْنَانِ عَنِ الأنوار. 6

 يجب أن نُذعِن بأن الأفرادُ والمؤسسات قد ابتليت بهذا الوضعِ المؤسفِ على حدٍٍ سواء حيث يتفضل حضرة بهاء الله ويرثي مأزقَ البشريةِ الآثمةِ الغافلةِ بقوله العظيم:

 ” لاَ يُرَى فِي الْحَقِيقَةِ نَفْسَانِ مُتَّحِدَانِ ظَاهِرَاً وَبَاطِنَاً. وَمَعَ أَنَّ الْكُلَّ خُلِقُوا لِلاتِّحَادِ وَالاتِّفَاقِ تَرَى آثَارَ النِّفَاقِ مَوْجُودَةً وَمَشْهُودَةً فِي الآفَاقِ. 7

ويتفضل أيضاً في نفس اللوح:

” إِلَى مَتَى الْغَفْلَةُ إِلَى مَتَى الاعْتِسَافُ إِلَى مَتَى الْفَوْضَى وَالاخْتِلاَفُ. فِي الْوَاقِعِ تَهُبُّ مِنْ جَمِيعِ الْجِهَاتِ أَرْيَاحُ الْيَأْسِ.  وَالْفَوْضَى وَالاخْتِلاَفُ فِي تَزَايُدٍ مُسْتَمِرٍّ.” 8

عودةُ التعصبِ الديني ،العداءِ العنصري والغطرسةِ الوطنية ، تزايدُ الأدلةِ على حبِّ الذاتِ والأنانية ، سوءُ الظنِّ والريبة ، الخوفُ والتزويرُ والرياءُ ، انتشار الإرهاب ، والفوضى ، شربُ المسكرات والجريمة ، التوقُ الشديدِ الجامح والسعي الدؤوب لكسبِ المالِ والتهافت على الملذاتِ والغطرسةِ الدنيوية، ضعفُ أساسِ العائلة والتهاونُ في مراقبة الأطفال وانضباطِهم من قبلِ الوالدين، الانغماسُ في الترفِ والبذخِ ،عدمُ الإحساسِ بالمسئوليةِ فيما يتعلق بالزواج مما أدى إلى تصاعدِ موجةِ الطلاق ، الانحطاطُ في عالمِ الفنِ والموسيقى ، سوءُ استخدامِ الأدبِ وفسادُ الصحافةِ، ازديادُ نفوذِ المروجين للعلاقات خارج نطاق الزواج وأولئك الذين يدعون إلى العُرِّي ويعتبرون الحشمةَ والحياءَ أسطورةً خياليةً والذين ولا يقرّون بأن إنجابَ الأطفالِ هو الهدفُ الأصلي والمقدسُ من الزواج ويصفون الدينَ بأنه أفيونُ الخلقِ وإذا ما تُرِك لهم العنانَ  فإنهم يسوقون البشريةَ إلى التخلفِ والهمجيةِ وإلى الفوضى والانقراضِ الحتمي. كلُّ ذلك يبدو من السماتِ البارزةِ لمجتمعٍ فاسدٍ منحطٍ ليس له مناصٌ أو ملاذٌ إلا بأن يحيى حياةً جديدةً أو يُبتلىٰ ويُصابُ بالموتِ والفَناء.

نرجو أن لا يُشتَبَه على احدٍ ما نقصدُه، أو يُساءُ فهمُ الحقيقةِ المسلّم بها، والتي هي جوهرُ دينِ حضرة بهاء الله. يعتقدُ كلُّ من يتبعَ الدينَ البهائي بغيرِ تحفظٍ بأن جميعَ أنبياءِ الله لهم منشأ ومصدرٌ إلهي….. ويؤمنُ كذلك بالوحدةِ الأصلية للرسل وبتسلسلَ ظهوراتِهم ويذعنُ للمرجعيةِ الإلهيةِ والارتبـاط ِالمتلازمِ لكتبِـهم ويعتقدُ بانَّ آمالَهم ومقاصدَهم واحدةً ويؤكدُّ على أصالةِ نفوذِهم وتكافئهم. كما يدركُ المصـالحةَ والوفـاقَ المطلـقَ بين تعاليمِهم وأتباعِهـم وفقـاً لما يشهــدُه قلمُ حضــرة بهاء الله :

 ” تراهم جميعًا ساكنين في رضوان واحد، وطائرين في هواءٍ واحد، وجالسين على بساطٍ واحد، وناطقين بكلامٍ واحد، وآمرين بأمرٍ واحد.”9

 الديانةُ البهائيةُ المُنسوبةُ إلى حضرة بهاء الله تدحضُ أيَّ نيةٍ للتقليل من مقامِ أحدٍ من الأنبياءِ الذين سبقوه أو الحطِّ من شأن تعاليمِهم, أوالتُعتيمِ ولو بصورةٍ ضئيلةٍ على تألقِ ظهوراتِهم وإشراقِها أو إزالةِ حبِّ المظـاهرِ المقدسةِ من قلـوبِ أتباعِهم أو نسـخِ أصولَ شرائعِهم وإبطالها , أو نبِذِ أيٍّ من الكتبِ المنزلَةِ عليهم أو قمعِ الآمالَ والطموحاتِ الشرعيةِ لأتباعِ دياناتِهم. يأبى الدينُ البهائي الإدعاءَ القائلَ بان ديناً من الأديانِ هو آخِرُ الظهوراتِ الإلهيةِ لبني الإنسانِ , حيث لا يعدُُّ حضرةُ بهاء الله دينَه هو آخِر الأديانِ بل يُؤكِّدُ ويروِّجُ القاعدةَ الأساسيةَ وهي نسبيةَ الحقائقِ الدينية و تسلسلَ الظهوراتِ الإلهية والتكاملَ التدريجي للمكاشفاتِ الدينية. غايةُ حضرتِه وهدفُه هو أن يبسطَ أساسَ جميعِ الأديان ويكشفَ أسرارَ الكتبِ المقدسة. إنه يؤكِّدُ على الإقرار التامِ بوحدةِ أهدافِها ويبيِّنُ الحقائقَ الدينيةَ الخالدةَ والموجودةَ في جميعِ الرسالات , ويساوي في مرتبةِ وظائفِهم , يُميِّزُ التعاليمَ الفرعيةَ والتقليديةَ عن التعاليمِ الأساسيةِ ويفصلُ الحقائقَ المنزلةَ من عندِ الله عن الخرافاتِ لعلماءِ الدينِ ويُعلِنُ بناءً على هذا الأساسِ بل يتنبأُ بحتميةَ إتحادِ الأديانِ وتحققِ وإنجازِ آمالِهم الساميةِ الرفيعة.

ينبغي أن لا يُظَنُ للحظةٍ بانَّ أتباعَ حضرة بهاء الله يسعون إلى الحطِّ من مقامِ رؤساءِ الأديان وزعمائِه أو التقليلِ من شأنِهم سواء كانوا مسيحيين أو مسلمين أو من أي طائفةٍ أخرى ممن وافقت أعمالَُهم ما توجبه عليهم متطلباتُ مهنِهم وكانوا جديرين بالمكانةِ التي يحتلونها .

 ويؤكدُ حضرة بهاء الله ذلك:

” في الحقيقةِ العلماءُ الذين…. زُيِّنوا بطرازِ العلمِ والأخلاقِ هم بمثابة الرأسِ لهيكل العالم وكالبصرِ للأمم لم تزل كانت ولا تزالُ ستكون هدايةُ العبادِ بهؤلاء النفوسِ المقدسة.” (ترجمة)

وفي الإشارة إلى التحولِ الذي يحدثُ في أفكارِ الناس وأخلاقِهم بسبب تأثيرِ كلِّ ظهورٍ إلهي يتفضل حضرة بهاء الله بقوله الجليل:  

” المقصودُ من أي ظهورٍ هو ظهورُ التغييرِ والتبديل في أركانِ العالمِ سراً وجهراً, ظاهراً وباطناً, لأنه إذا لم تتغيرْ أمورُ الأرضِ وصفاتُ وسجايا العبادِ, سيكون ظهورُ المظاهرِ الكليةِ عبثاً ولا يُجدي نفعاً.” (ترجمة)

 أليس بيانُ حضرة بهاء الله هذا هو نفسه ما تفضل به السيدُ المسيح مخاطبا الحواريين:

” لا زال هناك أشياءٌ كثيرةٌ يجب أن أقولَها لكم ولكن الآن ليس لديكم القدرةُ لتحمُّلِها وحين يظهرُ روحُ الحقِ سوف يدلُّكم إلى كلِّ الحق.”

 كلُّ ناظرٍ منصفٍ سوف يُدركُ بسهولةٍ من منطلقِ كلامِ السيدِ المسيح عظمةَ شأنِ الدين الذي أظهره حضرة بهاء الله ويعترفُ بالأهميةِ والنفوذِ الباهر للنداءِ الذي أعلنـه..

إذا أردنا أن نكونَ أمناءَ وأوفياء للحقائقِ والمعاني العاليةِ لأمرِ حضرة بهاء الله فإنه يجب أن يُحتَرَمَ ويُجَلّ الدينُ البهائي بصفتِه الرتبةِ الأعلى لكورٍ عظيم ومرحلةٍ أخيرةٍ في سلسلةٍ متتابعةٍ من الظهوراتِ تعاقبتْ حسبَ استعدادِ وتكاملِ البشريةِ كلٌّ منها تلو الآخر. هذه الظهوراتُ التي بدأتْ من آدم وانتهتْ بحضرة الباب قد مهَّدَتْ الطريقَ وبشَّرتْ بمنتهى التأكيد بمجيء يومِ الأيام والذي سوف يظهرُ فيه موعودُ كلِّ العصور….

إن عظمةَ القوى الذاتيةِ المكنونةِ للأمرِ البهائي ــ والتي ليس لها نظيرٌ أو مثيلٌ في التاريخِ الروحاني للبشريةِ والتي تُعَدُ تتويجاً وذروةً لدورةِ الأديانِ في العالمِ وهي قد مُنِحتْ و وُهِبَت ( للبشرية) ــ تُذهِل وتُدهِشُ تصوراتِنا. إن إشراقةَ الألفيةَ ذات المجدِ والجلال والتي يجب أن تُفيضَ بلمعانِها في الوقتِ المناسبِ تُبهِرُ الأبصارَ وإن الظلَ الممدودَ لشارعِه الجليل والذي قد قُدِّر له بأن يلقي بظلالِه على الرسلِ من بعدِه يتعدى تقديرَنا .

لقد أثارتْ عمليةُ المسيرةِ الغامضةِ التي أحدثتْها الروحُ المبدعةُ والخلاقةُ لهذا الأمرِ المباركِ في أقلِ من قرن تحولاً واضطراباً في المجتمعِ البشري حيث لا يمكنُ للعقلِ الإنساني أن يدركَ كنهَه. وعلى الرغم من أن الدينَ البهائي في مراحلِه الأوليةِ يمرُّ بدورةَ فتورِه ورشدِه التدريجي ولكن في نفسِ الوقت عن طريقِ التبلورِ والظهورِ التدريجي لنظمِه البديع قد أوجد هيجاناً وتحولاً في الحياةِ البشريةِ العامةِ قُدِّر له أن يزعزعَ أساسَ المجتمعِ الحالي المتشنجِ والمصابِ بالفوضى والتشويش فيُطهِّرَ حياتَه ويبني مؤسساتِه من جديد ويوجهَه توجيها جديداً و يصوِّغَ الشكلَ النهائي لمصيرِه المحتوم .

إلى أي شيءٍ آخر يمكنُ للعين المراقِبة واليقِظة أو للرأي والفكرِ المنصفِ والخالي من أي تعصــبٍ والمطَّلِع على البشـاراتِ والعلامـاتِ التي تبشــرُ بولادةِ أمـر حضـرة بهاء الله والتي تُلازمُ طلوعَه وارتفاعَه أن تُنسَبَ وتعزو هذه الاضطراباتِ والانقلاباتِ العالميةَ الرهيبة مع ما يرافقها من دمارٍ وبؤسٍ وخوف إن لم يكن لبزوغِ وإشراق نظمِ حضرة بهاء الله العالمي في مرحلةِ تكوينِه والذي تفضل في شانه بقوله الجليل:

” قد اضطربَ النظمُ من هذا النظمِ الأعظم واختلفَ الترتيبُ بهذا البديع.”10

إلى أي قوةٍ يمكنُ أن يُنسَبَ منشأُ وأصولُ هذه الأزمةِ المُنذِرةِ ، الهائلةِ ،الغامضةِ والمبهَمَةِ وعلى نحو لا يمكنُ إنكارُها ولم يسبقْ لها مثيلٌ في تاريخِ الجنسِ البشري إن لم تكنْ من تأثيرات الروحِ القويةِ التي لا تٌقاوَم وهي التي تهزَ العالمَ وترجفُه وتزودُه بالطاقة وتُنجيه وقد أقرها وأكدها حضرةُ الباب وذكر بأنها “نبّاضةً في حقائقِ جميعِ الكائنات” ؟

إن التشنجاتِ في المجتمعِ العالمي المعاصر والهيجان في الأفكارِ البشريةِ المحمومةِ ولهيبَ المنازعاتِ العرقيةِ والدينية والطبقيةِ العنيفةِ المشتعلةِ وضياعَ المللِ وخيبتِهم وتدهورَ وسقوطَ الملوكِ وتجزئةَ الإمبراطورياتِ وانقراضَ الأسرِ الحاكمةِ وانهيارَ المقاماتِ الدينية وانحطاطَ المؤسساتِ العتيقةِ وتفككَ الروابطِ العلمانيةِ فضلاٍ عن الدينيةِ التي احتوت وشملَت أهلَ العالمِ في طي القرون والعصور قد ظهرَتْ وتجلَّتْ بخطورةٍ متزايدةٍ منذ اندلاعِ الحربِ العالمية الأولى والتي سبقت مباشرةً سنواتَ افتتاحِ العصرِ التكويني لرسالةِ حضرة بهاء الله , وهي شواهدٌ يمكننا أن نُدرِكَ  بسهولةٍ منها الأدلةَ على عنـاءِ عصـرٍ قـارن ظهــورَ أمـرِ حضـرة بهاء الله , عصرٍ تجاهلَ نداءَه ورفضَه والآن وقد بلغَ مرحلةَ آلامِ المخاضِ آن الأوانُ لكي يضعَ حملَه كنتيجةٍ مباشرةٍ للحافزِ والدافعِ من تأثيرِ روحِ أمرِ حضرة بهاء الله الخلاقـةِ الصافيةِ النقيةِ والقادرةِ على التغيير.  

على الرغم من أن المشهدَ الذي أمامَ أعيننِا اليوم هو منظرُ عالمٍ  وقع في شَرَكِ ( فخِّ) نفسِه يائساً غافلا عن النداءِ السماوي الذي دعاه اللهُ إليه منذ مائةَ عامٍ وهو متذللٌ وصاغرٌ ببؤسٍ شديد لأصواتِ صفيرِ الخطرِ التي تحاولُ أن تغويَه وتستدرجَه إلى هاويةٍ متراميةِ الأطراف فإن اللهَ سبحانه وتعالى يُنجِزُ ويُكمِلُ أهدافَه وخططَه الساميةَ بالتدريج وبصورةٍ خفيةٍ وبدون مقاومةٍ.

 غايةُ الله وهدفُه ليس إلاّ أن يبشرَ البشريةَ المنقسمةَ والتي تعاني منذ فترةٍ طويلةٍ  باقترابِ عصرٍ عظيمٍ وذهبي ، بطريقةٍ هو وحدُه سبحانه وتعالى يستطيعُ أن يحققَه وهو وحده الذي يعرفُ مدى أهميتِه. وضعُ العالمَ الراهِنَ بل وحتى المستقبلَ القريب مظلمٌ ظلاماً فاجعاً ومؤلماً ولكن مستقبلَه البعيدِ مشرقٌ ومنير ومتألقٌ جداً إلى حدٍّ لا يمكنُ لعينٍ أن  تتصورَه أو تتخيلَه. (نداء لأهل العالم-شوقي أفندي رباني)

 

صدر لي الآن 13/9/2017 مقالي بهاءالله-عَلى أعْتَابِ عَصْرٍ جَديدٍ (1)


 بهاءالله-عَلى أعْتَابِ عَصْرٍ جَديدٍ (1) 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=572033

صدر لي الآن 4/9/2017 مقالي”العصر الذهبي للإنسانية”


العصر الذهبي للإنسانية

http://elsada.net/57364/

صدر لي الآن 2/9/2017 مقالي “رسالة بهاءالله للعالم”


 رسالة بهاءالله للعالم 

http://ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=570851

 

طلوع الشمس من مغربها و خروج الدابة


 طلوع الشمس من مغربها و خروج الدابة 

http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=569575

صدر لي الآن 16/7/2017 مقالي “قوة المحبة”


قوة المحبة